عاجل

1

كتب : د/ عادل عامر

الواقع يكتبه المنتصر والمعركة الأهم تأثيراً من اختيار مرشّح لمرحلة جديدة هي صياغة العقد الاجتماعي. الدستور هو الوثيقة الأعلى مرجعية في قوانين الدولة، وإدراج تفاصيل حماية حقوق النساء وتأكيد المساواة وعدم التمييز في الدساتير تمهّد لتعديل كافة قوانين الدولة بموجبها. والدساتير العربية المكتوبة بلا تمثيل حقيقي من الشعوب لم تتغير كثيراً بعد الثورات، ولم تتحول في معظمها إلى منهج وقوانين ملزمة.

 اللجان المكلفة صياغة الدستور المصري لم تشتمل بداية على تمثيل نسائي مرضٍ، وأسهمت في ترسيخ نمطية الأدوار المتوقّعة من المرأة في الأسرة. المادة العاشرة في الدستور الجديد تنص على مسؤولية الدولة في التوفيق بين واجبات المرأة نحو أسرتها وبين عملها العام، مع العناية الخاصة بالمرأة المعيلة والمطلقة والأرملة. تفترض المادة أنّ الأسرة مسؤولية نسائية فقط بلا مشاركة من الرجل. لا تعكس المادة مساواة في علاقات الأسرة، ولا ثورة في معنى العقد الاجتماعي ومفاهيمه.

إن التردي المنقطع النظير لمستوى الإنفاق على البحث العلمي في الأقطار العربية يخالف نصوصها الدستورية. ويمكن إثبات هذا الخرق رغم أن هذه النصوص تتصف بالعمومية. فهناك دول نامية عديدة لديها إمكانات مالية أقل بكثير من الدول العربية ومع ذلك ترصد في ميزانياتها أموالا تفوق تلك التي تنفقها بلدان عربية. وهناك دول أفريقية مصنفة في قائمة الدول الأقل تقدما تسجل عدداً من براءات الاختراع يفوق العدد المسجل في دول عربية. كما أن عدد المقالات العلمية المنشورة في دول فقيرة أكثر من عدد المقالات المنشورة في دول عربية، بل إن بعض الدول العربية لا توجد فيها أي مجلة علمية حسب معايير المؤسسات العالمية المعروفة.

 ويمكن بسهولة تحويل هذه المقارنات إلى معادلات رياضية تشير بالأرقام إلى تخلف علمي مدقع للدول العربية، وهذا التخلف هو الدليل على عدم تشجيع البحث العلمي وبالتالي على خرق أحكام الدستور. ويتعين على جميع البلدان العربية التنصيص في دساتيرها على ثلاثة مبادئ هي: حرية البحث العلمي في القطاعين الحكومي والخاص، وتشجيعه في جميع الميادين المدنية والعسكرية، وتخصيص نسبة له من الإنفاق العام لا تقل عن 2% من الناتج المحلي الإجمالي. كما لا بد من العمل بجدية على تنفيذ هذه المبادئ وفق سياسة علمية واقتصادية مدروسة ومتغيرة حسب الحاجة الآنية والإمكانية المتوفرة. عندئذ تتحسن الصناعات التحويلية وتزداد الصادرات وتنخفض البطالة فترتفع معدلات النمو الاقتصادي.

وهذا الدستور متشابه مع الدساتير العربية كلها ــ إن وجدت ــ في احتوائه على تفاصيل سلطات الدولة وصلاحياتها وغموضه في تقرير وضمان الحقوق الفردية والشخصية للجنسين. لا نصّ يحمي النساء من التمييز والعنف ولا تجريمهما. المرأة تابعة في الوطن كما هي تابعة في الأسرة. حقوقها في الجنسية ونقلها لأسرتها مقيدة ومشروطة كما حقوقها داخل مؤسسة الأسرة. الحفاظ على العقد الاجتماعي ما زال يؤيد تقييد حقوق وصلاحيات المرأة ودعم حقوق وصلاحيات الرجل. ما زال هناك مَن يبرر نقصان المرأة واكتمال الرجل ذريعة للتمييز. تبرز هنا أهمية الثورة الشاملة: اجتماعيه قيميه، معرفيه و سياسية…

الشائعة الأكثر خبثاً كانت حول دور الإعلام الجديد في صناعة الثورات. صناعة الثورة ــ لو صحّ استخدام التعبير ــ لم تكن إلا على قدر شجاعة الأفراد، ليس فقط عبر الاعتصام والتظاهر، لكن عبر شجاعة التصريح بأكثر الحوادث ألماً وإحراجاً. الثورة على واقع النساء أسهمت فيها وثائق كشوف العذرية وكشف ممارسات العنف مع المتظاهرات المطالبات بالتغيير. ما كشفته وسائل الإعلام الجديد من شهادات مرئية ومكتوبة أيقظ الضمير الجمعي، وأصبح تحطيم التابوهات التقليدية فعلاً ثورياً صادماً. أحد تجلّياته كان تظاهرات التعرّي أو التهديد به.

 في المجتمعات العربية المحافظة، ظهرت الأجساد العارية كرد فعل مؤلم على ممارسات استعباد أجساد النساء. لكن قمة الجبل الجليدي كانت واضحة للعيان منذ عقود. منطقة الشرق الأوسط هي الأكثر تمييزاً في العالم ضد النساء. في عام 2005، وضع تقرير التنمية العربية التمييز ضد النساء كإحدى أهم ثلاث مشكلات تؤثر في التنمية في العالم العربي، وعكست معدلات الجهل والفقر المتفشية بين النساء خصوصاً ممارسات تقييد المصير بين النساء والتمييز ضدهن بمباركة دينية. وحتى يتعدى التغيير تبديل الأشخاص إلى تغيير القيم وتفكيك مبررات التمييز وإعادة ترتيب موازين القوى، تبقى الثورة وتحدياتها عملية تراكمية ومستمرة… عادة ما يعرف الباحثون حقوق الإنسان بأنها مجموعة الحقوق التي يتمتع بها الإنسان بوصفه إنسانا. هذا التعريف يجد سنده فيما نصت عليه المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بقولها “يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم البعض بروح الإخاء”.

كما تجد هذه الصفة الإنسانية الشاملة للحقوق سندها أيضا من نص المادة الثانية من الإعلان التي تقرر أن “لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان دونما تمييز من أي نوع ولا سيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا وغير سياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر”.هذا الطابع الإنساني الشامل للحقوق يضفي عليها طابعا أخلاقيا ، ويجعلها حقوقا غير قابلة للتنازل عنها، وغير مشروعة الانتهاك لأي سبب من الأسباب.

وتصبح هذه الحقوق هي بذاتها مصدر الشرعية ولا تستمد شرعيتها من أي نظام قانوني وضعي. فإذا أصدرت الدولة الوطنية تشريعا ينتهك حقوق الإنسان لمواطنيها بأن يحرمهم من حرياتهم الطبيعية مثلا أو يميز بينهم بسبب الدين أو الأصل أو اللغة أو العرق كان هذا القانون عاريا من الشرعية القانونية وكانت الدولة التي أصدرته عارية من الشرعية السياسية. وبطبيعة الحال يمكن تتبع حقوق الإنسان في التراث الديني والفكري للبشرية لقرون عدة سابقة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948. فلا تخلو ديانة من الديانات من نصوص حول تكريم الإنسان.

ولا تخلو ثقافة من الثقافات من مبادئ للرحمة والعدل والإنصاف. ولكننا عندما نتحدث عن التراث العالمي المعاصر لحقوق الإنسان فإنما نعنى به مجموعة المبادئ الملزمة التي اتفقت الجماعة الإنسانية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية تحديدا على الالتزام بها التزاما قانونيا يجد سنده في آليات دولية وداخلية تكفل تحقق ذلك الالتزام. أي أن حقوق الإنسان في عصرنا هذا لم تعد مجرد مبادئ فاضلة تحض عليها الأخلاق القويمة أو تعاليم تحض عليها الأديان ولكنها تحولت إلى التزامات قانونية يتعرض من يخالفها لجزاءات على المستويات الدولية والإقليمية والوطنية. فمصطلح حقوق الإنسان إذن يشير إلى مجموعة الحقوق اللصيقة بالشخصية الإنسانية التي نصت عليها المواثيق الدولية والتي يتمتع بها الإنسان ولا يجوز تجريده منها لأي سبب كان بصرف النظر عن كل مظاهر التمييز مثل الدين واللغة واللون والأصل والعرق والجنس وغير ذلك.

 وبقدر ما تتعامل واشنطن مع الوضع الجديد، فإنها ظلّت تصرّ على مشاركة   الإخوان وإطلاق سراح مرسي، خصوصاً وإن علاقاتها معهم كانت قد تطوّرت خلال العام المنصرم، سواءً فيما يتعلق بعدم تغيير في الموقف من الصراع العربي- الإسرائيلي أو من طبيعة العلاقات المصرية- الأمريكية، وهما الأساسان اللذان تقيم عليهما واشنطن تقييماتها السياسية الاستراتيجية.

أما في الحالة التونسية فإن صعود حزب النهضة الإسلامي وتحالفه مع قوتين معتدلتين في إطار الوسط واليسار، جعل تونس أقرب إلى توافق حتى وإن بدى قلقاً وبطيئاً، خصوصاً وبعد مرور أكثر من سنتين ونصف لم تنجز صيغة مناسبة لكتابة دستور توافقي للبلاد، لكن هذا الجو الكثير الترقب والشديد الحذر والعالي التوتر مع دعوات متشددة من جانب أصوليين وسلفيين، انكسر عندما بدأ مسلسل الاغتيال، فخلال نحو عام قتل زعيمان سياسيان يساريان الأول شكري بلعيد والثاني محمد البراهيمي مما قد ينسف العملية السياسية أو يعاظم التحدّيات التي تقف أمامها، ويجعل فرصة التيار الإسلامي” حزب النهضة ومن يؤيده من الإسلاميين” في حكم البلاد محفوفة بالمخاطر، بل أن العملية  السياسية كلّها ستكون أمام تهديدات جدّية.

الحالة التونسية والحالة المصرية تطرح مقاربة جديدة لعلاقة الإسلام السياسي بالدولة، ومن ثم علاقة الدين بالديمقراطية في السياسة الشرق أوسطية، خصوصاً وأن تيار الإسلام السياسي يحكم إيران وتركيا والعراق والسودان والمغرب وتونس ومصر، ويقارب المسألة في الباكستان وأفغانستان مع تعقيداتهما، وله نفوذ واسع في ليبيا وحضوره مؤثر في الجزائر وموريتانيا، وله دور بارز في الأردن ووجوده قوي في اليمن، وبدأ دوره يكبر في الخليج، لا سيّما في الكويت، فضلاً عن البحرين حيث كان يشكّل نحو نصف برلمانها، وهو الذي يشارك في قيادة حركة الاحتجاج منذ سنتين ونيّف، كما أن له القيادة في نصف فلسطين (غزّة) ونصف لبنان فعلياً (حزب الله)

 وفي سوريا يشكل ركناً أساسياً في أركان معارضة النظام ومن الحركة المسلحة، بل أن التيار الإسلامي امتدّ إلى تشاد ومالي، الأمر الذي أثار الانتباه إليه دولياً. علم نحن أيضا أن مثل هذه المعلومات يمكن الحصول عليها عبر قنوات استخباراتية خاصة  لكن دعونا نسلم أن هذه المعلومات صحيحة تماما ثم دعونا نتساءل فقط عن الأسباب التي جعلت عمليات كهذه تنجح. معلومات في غاية الدقة، عدد السيارات وأنواع الأسلحة التي كانت تحتويها والطريق الذي سلكته وهو لا يمتد عشرات أو مئات الكيلومترات، قافلة محملة بأسلحة وذخائر حربية متطورة تسير في صحراء عارية آلاف الكيلومترات وتصل إلى نقطة الوصول دون أن يتمكن منها أحد أو يبلغ عنها، بل الأدهى من ذلك هو أن مصادرنا الأمنية تؤكد أو لعلها تهدد أن هذه ليست أول قافلة وأن العملية مستمرة.

 دعونا نسلم جدلا أن هناك فعلا تنظيما قويا يدعى القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، كم هو تعداده وما هو قوامه؟ عشرات، مئات، آلاف أم مئات الآلاف؟ المسؤولون المؤتمنون على أسرار التنظيم يؤكدون أن أعداد هؤلاء لا تتجاوز بضع مئات. وأمام الحرب المستمرة والإمكانيات والخبرات المرصودة لمحاربة هذا الخطر، لا بد لنا أن نتساءل مرة أخرى، هل هي قوة وفاعلية التنظيم أم عجز أجهزة الأمن التي جعلت بضع مئات من البشر يستمرون في زرع الرعب في المنطقة والعالم أجمع ويهددون استقرار دول لسنوات وسنوات، أم أن هناك تفسيرا آخر أصح لكن لا يريدون من الناس أن يعرفوه؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.