عاجل

 

1916085_121615824880327_5888716577512084177_n

بقلم الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد أبو نحل المفكر العربي الإسلامي والمحلل السياسي المركز القومي للبحوث العلمية رئيس الهيئة الفلسطينية للاجئين الأستاذ والمحاضر الجامعي غير المتفرغ

 مدير مكتب -فلسطين

ذكري خالدة ومجيدة وعظيمة من ذاكرة الأيام والسنين لشعبنا الفلسطيني البطل المجاهد؛ ذكري حافلة بتاريخ طويل من البطولات والأبطال والتي بقيت ذكراها خالدة فينا على الرغم من أنها مضي عليها أكثر من نصف قرن من الزمان؛ إنها معركة القسطل، ومعني القسطل القلعة أو الِحصن هي قرية تبعد 10كم غرب مدينة القدس وتشرف على طريق القدس يافا الرئيس من خلال تل عال ولقد كان لهذا التل شان كبير في معارك فلسطين إذ انه كان الباب الحديدي الذي أغلق منه المجاهدون الفلسطينيون باب القدس وحاصروا مائة ألف صهيوني وهددوهم بالفناء أو التسليم؛ فبعد مرور 68عامًا على معركة القسطل لابد من الحديث عنها وعن قائدها البطل، حيثُ ولد الشهيد القائد الفلسطيني البطل عبد القادر موسى كاظم الحسيني الفلسطيني في سنة م1910 والذي استشهد في القُدس في الثامن من أبريل نيسان سنة 1948، وكانَ قائداً من القادة المُجاهدين الكِبار في فِلسطين، بخبرته العسكرية الطويلة وبصيرته وتضحياته وحماسه في الدفاع عن الأرض والعِرض والمُقدسات .. قائداً لم تمنعه الحدود من نُصرة أهله في مصر والعراق؛ ولقد فقدَ القائد الشهيد أمه بعد عام ونصف من فعاش يتيمًا بعد ولادته، فرعته جدته لأمه مع بقية أشقاءه السبعة, حيث درس القرآن الكريم فى زاوية من زوايا القُدس، وأنهى دراسته الأولية فى مدرسة “روضة المعارف الابتدائية” في بيت المقدس، وأتم دراسته الثانوية بتفوق والتحق بكلية الآداب والعلوم بالجامعة الأمريكية في بيروت وطرد منها لنشاطه السياسي فالتحق بالجامعة الأمريكية في القاهرة ودرس فيها في قسم الكيمياء, وعاد إلى القدس في سنة 1932 حاملاً لشهادته، ومنذ سنة 1935م بدأت مسيرته الجهادية الحافلة لتحقيق الحرية والاستقلال لفلسطين, فدرب شُباناً فلسطينيين على المقاومة المسلحة التي كان شريكاً فيها، كما هاجم القطارات الإنجليزية والمُستعمرات الصهيونية خِلال الثورة الفلسطينية الكُبرى 1936-1939؛ حيث وصلت المقاومة ضد الاحتلال البريطاني أشدها في معركة الخضر، والتي أصيب فيها الشهيد عبد القادر إصابة بالغة، في سنة 1941 شارك العراقيين في جهادهم ضد الإنجليز ووقع في الأسر هو وبعض رفاقه لثلاث سنوات، بعدها لجأ إلى السعودية لعامين, وفي سنة 1946 انتقل إلى مصر للعلاج من الجروح والندوب التي تقرحت في جسده أثر معاركه الكثيرة، وهناك وضع خطة لإعداد وتدريب المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال, كما دربَ شُبان مصريين للقيام بأعمال فدائية وأنشأ معسكراً سرياً بالتعاون مع قوى وطنية مصرية ليبية مشتركة بالقرب من الحدود المصرية الليبية, وأنشأ معملاً للمتفجرات، وأقام محطة إذاعية في رام الله ومحطة لاسلكية في مقر القيادة في بيرزيت؛ وبعد قرار التقسيم في 29 نوفمبر تشرين الثاني سنة 1947م وانتهاء الانتداب وتقسيم فلسطين الى دولتين عربية ويهودية, تولى الشهيد عبد القادر الحُسيني قيادة قطاع القدس وعمل على وقف زحف العصابات الصهيونية, ومن ثم قام بعمليات هجومية على قطعان المستوطنين المتواجدين في محيط المدينة المقدسة, بالإضافة إلى الهجوم المنظم على عدة مراكز يهودية كانت تعم بالأحياء العربية, وصولاً إلى استبساله في معركة ” صوريف ” في 16 يناير سنة 1948، والتي قتلَ فيها 50 صهيونياً كانوا مزودين بأحدث العتاد الحربي الثقيل فاستولى على العديد من الذخيرة والبنادق, وأيضاً من معاركه معركة بيت سوريك، ومعركة رام الله – النطرون، بالإضافة إلى معركة النبي صموئيل، وكذلك الهجوم على مستعمرة النبي يعقوب ومعركة بيت لحم الكبرى؛ وضرب الشهيد عبد القادر الحسيني أروع صور التضحية والنضال من خلال معركة القسطل غير المتكافئة في قرية القسطل التي تُعد أحد مداخل القُدس الاستراتيجية, وكان رمزًا ومثلاً رائعاً في التضحية والحماسة والاندفاع، ففي 3/4/1948 تمكنت عصابات الهاغانا اليهودية من إسقاط بلدة القسطل حيث ان المطلوب من خمسين فدائياً ليس معهم العتاد أن يواجهوا المئات من جيش مدرَّب ومجهَّز، إلاّ أن العرب الفلسطينيين حشدوا قرابة الثلاثمائة فدائي من مختلف القرى والمدن العربية وذلك بقيادة صبحي أبو جبارة، وكامل عريقات، وإبراهيم أبو دية، وعبد الله العمري، وحافظ بركات، وخليل عنون، وعبد الفتاح درويش، وابتدأ الهجوم العربي في 4/4/1948 ولم يتمكن اليهود من السيطرة الكاملة على القسطل، واستمرت المعركة على مدى ثلاثة أيام إلاّ أن ذخيرة المقاتلين العرب نفدت بينما عصابات الهاغانا كانت تتلقى المؤن والذخائر بواسطة الطائرات، مما أدي إلي نفاد السلاح من يد العرب الصامدين في القسطل دفع قائد الجهاد المقدس عبد القادر الحسيني للذهاب فوراً إلى دمشق حيث مقر اللجنة العسكرية للجامعة العربية وطلب التزوُّد بالسلاح والذخائر بعد أن وضعهم بصورة تفاصيل ومخاطر الوضع في القدس، ولم تستجب اللجنة العسكرية العربية لطلب عبد القادر الحسيني، وإثناء اللقاء جاءت الأنباء تتحدث عن سقوط القسطل، وأبدى عبد القادر الحسيني القدرة على استعادة القسطل فيما لو توفَّرت لديه الذخائر والأسلحة، إلاّ أن الرد كان سلبياً، وخاطب عبد القادر اللجنة العسكرية قائلا: جئتكم أطلب سلاحا لأدافع به عن فلسطين، وأما وقد خذلت، فأبلغكم أننا لن نرمي السلاح حتى النصر أو الشهادة، أنا ذاهب إلى القسطل، ولن أسأل أحدكم أن يرافقني، لأنني أعرف حقيقة مواقفكم، ولكني أحذركم بأن التاريخ سيكتب أنكم خذلتم الأمة وبعتم فلسطين، وإن التاريخ لا يرحم أحدا!. ثم التفت إلى صديقه قاسم الريماوي الذي كان يرافقه وقال له: ” هيَّا نرجع إلى فلسطين كي نموت فيها الميتة التي وضعناها نصب أعيننا، هيا نستشهد أو ننتصر على الأعداء ” و رجع عبد القادر الحسيني إلي فلسطين ومعه رفاقه ومساعدوه في مقدمتهم إبراهيم أبو ديه، وقبل منتصف ليلة 7/4/1948 بدأ الهجوم الفلسطيني على الاستحكامات اليهودية، وكان القتال شرساً، وأصيب إبراهيم ابو دية بجروح بالغة ومعه ستة عشر مقاتلاً، وكادت الذخائر أن تنفد مما اضطر المهاجمين إلى التراجع إلاَّ أنَّ القائد عبد القادر الحسيني تقدم مع بعض رفاقه واشتبكوا مع اليهود فأصيب ثلاثة منهم وبقي عبد القادر ومعه مقاتل واحد . وتمكَّن اليهود من الإحاطة بعبد القادر الحسيني ووصل النبأ الى الفلسطينيين خارج القسطل، فتجَّمعوا من كل صوب بحماسة شديدة، وجاءت النجدة من “الجهاد المقدس”، ومن “حرَّاس الحرم الشريف”، ومن “شباب القدس”، ومن أهل الخليل، ومن قرى الوادي، ومن جيش الإنقاذ، وكان اليهود أكثر عدة وعدداً، وتمكن الفلسطينيون الذين احتشدوا من مختلف المناطق من استرداد القسطل وظلوا فيها حوالي ست ساعات إلاَّ أن اليهود جاءتهم النجدات الكبيرة بعد أن خسروا (350) قتيلاً يهودياً. وقد صُدم الفلسطينيون الذين سيطروا على القدس صباح 8/4/1948م، عندما وجدوا الشهيد عبد القادر الحسيني مشتشهدًا عند مدخل القرية شهيدًا مقبلاً غير مدُبر مدرجًا بدمائه الزكية الطاهرة؛ ونحسبه عند الله عز وجل كذلك؛ وفي صباح 9/4/1948 سقطت القسطل بيد اليهود، ودمَّروا كلّ ما فيها حتى مسجدها، استشهد عبد القادر صباح يوم 8/4/1948، حيث وجدت قرب بيت من بيوت القرية فنقل في اليوم التالي إلى القدس، ودفن بجانب ضريح والده في باب الحديد… وسمي بطل القسطل، وقد استشهد رحمه الله وهو في الأربعين من عمره، وفي ذلك اليوم صلّى المسلمون على الشهيد عبد القادر الحسيني في المسجد الأقصى؛ ولقد قام ضابط بوسني مسلم كان مع المهاجمين هو “شوقي بك” ومعه مصفَّحة بحمل جثة الشهيد عبد القادر في مصفحته، وكذلك إبراهيم ابو دية الذي أُصيب في سلسلة ظهره وتوجَّه بهما إلى القدس، وعندما انتشر الخبر غادر الكثيرون إلى الحرم الشريف للمشاركة في التشييع، وبقي أربعون مناضلاً من المقدسيين بقيادة بهجت أبو غربية، وقد انضم إليهم عصر 8/4/1984 ضابط مصري ومعه ثلاثة مناضلين . وقد اضطر ابو غربية ومن معه لمغادرة المكان بعد أن تعرّضوا لقصف شديد، وبعد أن سمعوا بأنّ هناك مجزرة حدثت في قرية دير ياسين وقد قدّر الصليب الاحمر الدولي عدد ضحايا هذه المجزرة من الرجال والأطفال والنساء بثلاثمائة وخمسين شهيداً. علماً أن من كان من الشبان والرجال هناك قاوم بشدة، وأوقع الخسائر في صفوف مجرمي وعصابات الصهاينة من ” الشتيرن ” و ” الارغون “، المنظمتين الارهابيتين الصهيونيتين.؛ نعم استشهد القائد البطل عبد القادر موسى الحسيني تاركاً زوجة مناضلة تحَّملت مسؤولية تربية أبنائها الثلاثة موسى وفيصل وغازي إضافة إلى ابنة كريمة؛ وللعلم أن عبد القادر ياسين هو ابن القائد الوطني المناضل موسى كاظم الحسيني، ويبقى عبد القادر الحسيني ووالده موسى الحسيني وأبناؤه وخاصة الشهيد فيصل الحسيني عناوين العمل الوطني والمقاومة، والصلابة، والوفاء؛ ليكون الجِدَ شهيدًا والأب شهيدًا والابن شهيدًا؛ ومع استمرار وتواصل انتفاضة القدس وشلال الدم الفلسطيني النازف على أرض فلسطين المقدسة المباركة؛ نقول لهذا الاحتلال البغيض مهما طال زمن الاحتلال وليل الظالمين فلابد من يومً قادم ستتحرر فلسطين من رجس ودنس الصهاينة الغادرين المجرمين؛ فليس منا وليس فينا وليس من بيننا من يفرط بذرة واحدة من تراب القدس الشريف وفلسطين؛ المجد والخلود لشهدائنا الأبرار والحرية لأسري الحرية الأماجد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *