عاجل

الرفق واللين بالمدعو
بقلم الاستاذ الدكتور عبد الرازق ابو عيسى
استاذ الدعوة والثقافه الاسلاميه بجامعة الازهر
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبعد،،،
تناولنا في المقال الماضي أهمية الفقه في تغيير المنكر، وفي هذا المقال أوضح أهمية الرفق في تغيير المنكر فأقول:
نعمة البيان من أجل النعم التي أنعم الله بها على الإنسان ، قال تعالى : ( الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآَنَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ )( ) والدعاة تجاه هذه النعمة صنفان : أحدهما استغل قيمة هذه النعمة فسخرها في نصح المدعوين ، والرفق بالعاصين ، فألان القول ففازوا وسعدوا فسعدت ونجحت ، وأقبل الناس عليهم ؛ لأنهم وجدوا الخير عندهم ، ولم يحسوا بغربة وسط هؤلاء الدعاة .
والفريق الثاني أساء استغلال هذه النعمة فسخرها في التعالي على المدعوين بالقول الفظ في نصحهم ، فانصرف الناس من حولهم ، وكرهوا موعظتهم ونصحهم .
والداعية الفقيه هو الذي فقه آيات القرآن الكريم ، ومواقف الأنبياء والمرسلين مع أقوامهم فأدرك قيمة الرفق واللين في تغيير المنكر ، واستجاب لنداء الله عندما قال تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )( )
والقول الحسن هو اللين في الخطاب للمدعوين ؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها وتلقاها باللين ، وبسط لها في اللين والشدة فتدين له بالولاء التام ، وتركن إليه ، مستجيبة لكل نصح وجه إليها منه.
وقد حوى القرآن الكريم عدداً من الآيات التي تتحدث عن الرفق في القول مع المدعوين . قال تعالى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ )) )
فهذا الخطاب موجه للنبي فالرحمة التي منحت له جعلته رحيماً بالناس أجمعين، ولو كان فظاً غليظ القلب لانفض الناس من حوله ، وما جذب القلوب إليه ، ولا تجمعت حوله مشاعر الألوف من البشر ؛ لأن الناس في حاجة إلى من يحنو ويحلم عليهم ولا يضيق بجهلهم، ويحتاج المدعو إلى رعاية فائقة ، ووجه بشوش ، وود يسع الناس جميعاً، فليكن الداعية معطاءً يحمل هم المدعوين في كيفية الخروج بهم من براثن المعصية التي وقعوا فيها ، بدون تعنيف لهم ، وبدون توجيه لوم بسبب ما ارتكبوه من معاصي صغيرة أو كبيرة قال ابن كثير في تفسير هذه الآية :” أي لو كنت سيئ الكلام قاسى القلب عليهم لانفضوا وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، والآن جانبك لهم تأليفاً لقلوبهم “( )
وصاحب المنكر يحتاج إلى رعاية فائقة ، وقلب رحيم ، وحلم لا يضيق بجهله وخطئه، لا إلى داعية متعال يتطاول على غيره ولا يرحمهم . قال تعالى ( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )( )
ففي هذه الآية الكريمة أمر من الله عز وجل إلى موسى وهارون عليهما السلام بأن يذهبا إلى فرعون الذي طغى وتكبر ، وعتا عتواً كبيراً ، والذي قال ما علمت لكم من إله غيري وقال أيضاً : أنا ربكم الأعلى ، أمرهما الله عز وجل أن يذهبا إليه ليبطلا حجته ودعواه بالحجة والبرهان ، ولم يتركهما الله عز وجل بدون منهج يسيران عليه ، بل قال لهما خاطباه خطاباً رقيقاً لا خشونة فيه ، وكلماه بالقــول الليــن ، فذلك أجدر أن يسمع كلامكم.
وفى هذا توجيه لمن يتولى تغيير المنكر أن يكون رحيماً بمن يدعوه إلى الله تعالى ، غير قاس عليه ، لعل العاصي يفئ عن غيه وضلاله .
والناظر في السنة المطهرة يجد طائفة من الأحاديث النبوية التي تحض على الرفق واللين في تغيير المنكر ، والواقع العملي لتعامل النبي في نهيه عن المنكر ، وتحويل حالة المدعو من المعصية إلى الطاعة ، ومن الكفر إلى الإيمان ، بدون أن ينفر المدعو من الداعي ؛ لأن النبي فقه حالة العاصي ، وأنه يشبه المريض الذي يحتاج إلى علاج، بل هو مريض بالفعل ، هذا المريض الذي يحتاج إلى من يخفف عنه آلامه بدون أي جراح أو ألم يحس به ، وأسوق للدعاة أمثلة حية من السنة النبوية عايشها النبي بنفسه في منهجه مع العصاة .
عن أبى أمامة أن فتى شاباً أتى النبي فقال يا رسول الله ، أتأذن لي في الزنـا ؟ قال : فصاح القوم به وقالوا : مه مه ، فقال رسول الله ، ” أتحبه لأمك ” فقال : لا يا رسول الله ، جعلني الله فداك ، فقال رسول الله : ” ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ” قال : أفتحبه لابنتك ؟ قال : لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك ، قال : ” ولا الناس يحبونه لبناتهم ” قال : أفتحبه لأختك ؟ ” قال : لا والله يا رسول الله ، جعلني الله فداك ، قال ولا الناس يحبونه لأخواتهم ” فقال : يا رسول الله ، ادع الله لي ، فقال : فوضع رسول الله يده عليه ثم قال : ” اللهم اغفر ذنبه ، وطهر قلبه ، وحصن فرجه ” قال : فكان لا يلتفت إلى شيء بعد “( )
لقد بلغ من فقه النبي في هذا الموقف أنه لم يصح في وجه هذا الشاب ، ولم يغلظ له القول ، ولم يطرده من مجلسه بل قربه منه كأنه مقر بهذا الأمر في بدايته ، وبعد ذلك أخذ النبي يوضح له خطورة الفعلة التي يريد الشاب أن يفعلها فذكر له النبي جميع أقاربه حتى تكتمل له الصورة ، ويعيش الواقع ، ويشعر بعظم الأمر الذي جاء يستأذن فيه ، فما كان من هذا الشاب إلا أن كره الأمر ، ولم يعد إليه , وكل هذا جاء بعد قناعة تامة نتجت عن الأسلوب اللين الذي نهجه النبي .
” ومجيء الشاب المسلم إلى رسول الله مستأذنا بالزنا يدل على أنه شاب ضعيف اختل توازنه ، واضطربت شخصيته ، ودفعته غريزته إلى الزنا ، فكان إيمانه حاجزاً له، ودافعاً على الاستئذان بالزنا ، وهذا دليل ناطق على حالته المرضية من جهة ، وبجانب الخير في الشاب من جهة أخرى ، وإلا ذهب وزنا كما يزنى غيره ، فاقتضى هذا التشخيص الدقيق من النبي لحالته النفسية واستخدام كلا المنهجين معه ، حتى أنقذه مما هو فيه ، وأعاده إلى التوازن والصواب “( )
تخيل لو أن هذا الأمر حدث في زماننا هذا فجاء شاب سائر ، غلبته شهوته ، وجذبه شيطانه ، وتهيأت جوارحه ، فحول كل تفكيره في هذا الأمر ، وأصبح جل همه أن يقضى وطره على أي حالة كانت فترى الرد من بعض الدعاة الزجر له ، والاستهانة به ، والسخرية من حاله ، والغلظة له في القول ، وإسماعه كلمات قاسية عليه ، كأن يقول له : أما تستح من نفسك ، إنك متجروأ على حرمات الله ، فينتج عن ذلك أن يخرج الشاب باحثاً عن مخرج لشهوته فيلتقطه أعوان الشر وهم كثير .
فانظر إلى الشاب في الحالتين حالة الرفق به تجده مطأطأ الرأس ، منصت لكل ما يوجه إليه ، محباً للخير ؛ لأن عاقبته طيبة ، كارهاً للشر لأن عاقبته وخيمة ، وحالة الصد عنه والقسوة عليه تجد الشيطان يتملكه ؛ لأنه لم يدرك عاقبة ما يريد أن يصنع ؛ لأن الشيطان زين له سوء عمله فرآه حسناً . ماذا كانت النتيجة ؟
دخل الشاب على النبي وأحب شيء إليه الزنا ، وخرج وأبغض شيء إليه الزنا ؛ لأن النبي ملك عقله وقلبه ، وجعله يحكم على فعلته هذه بنفسه ، ما إذا كان يرضاه لأمه ولابنته ولأخته ، أم لا, فإذا كرهه لأحب الناس إليه ، فكيف يرضاه لغيره من الناس .
“وهذا الأثر الذي تركه موقف النبي في نفس الشاب من هدوء نفس ، وإعراض عن الزنا ، الذي كان يتوق إليه ، ويرغب فيه ، كان معجزة خارقة للنبي ، ولا تتكرر لغيره إلا من باب الكرامات ، وخوارق العادات ، كلا فإن أي معلم رباني الوجه ، نبوي الطريقة يقتدي برسول الله في سلوكه قولاً وعملاً سيجد بتوفيق الله تعالى نفس الأثر أو قريب منه وفقاً لسنة الله تعالى”( )
والداعية الفقيه هو الذي يفهم قيمة الرفق واللين في تغيير المنكر، فهو يفعل ذلك من واقع الحب لهم ، والغيرة عليهم ، والرحمة بهم ، فهو يكابد من أجل استنقاذهم من حمأة الجاهلية وشقوتها إلى نعيم الإسلام ، ولذلك فهو لا يسارع إلى مدابرتهم ومقاطعتهم ومفاصلتهم ، وهذا كله يحتاج إلى حلم ورفق .
ولقد حرص النبي على ترسيخ هذا المعنى في نفوس الدعاة ، حتى تثمر دعوتهم ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله :”إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه .”( )
وأن الله سبحانه وتعالى يعطى على الرفق من الأجر والمثوبة ما لا يعطى على غيره؛ لأن فيه رحمة بعباد الله عز وجل : عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله : ” إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف ، وما لا يعطى على سواه “( )
موعدنا في اللقاء القادم عن رفق النبي مع غير المسلمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

11060051_604240256400794_6164023510308461658_n

The following two tabs change content below.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *