عاجل

11

كتبت : أية رأفت

بعد أذان العصر جلس الحاج أبو محمد يشرب الشاي ، و يفكر في أرضه التي تعاند بذرته.. و ترفض أن تطرح ، إنها تحتاج للمزيد من الإهتمام.. و بعض الصبر.. يقول لنفسه.. الأرض أصيلة.. ليست نكارة للجميل.. البشر فقط كذلك.. تقطع أم محمد شروده بسؤالها المعتاد.. – محمد أتصل ..؟ فيجيبها هو بأن يصرف نظره بعيدا.. ثم يقول – أعمليلي كوباية شاي. – حاضر.. تقولها ثم تكمل و هي في طريقها للمطبخ.. ” و الله مانا عارفة أخرة كتر الشاي دي إيه..! ” يعود أبو محمد لشروده.. يتذكر ولده عندما جاءه ذات يوم.. – الكتكوت ده غبي يا أبا.. يضحك أبو محمد، كل حديث محمد يجعل قلبه يرقص فرحا.. و طربا و كيف لا و هو ولده الوحيد البكري.. – ليه يا محمد.. – سايب العشة و طالع بره.. و كل ما أدخله عند الفرخة يسيبها.. يتذكر أبو محمد، عندما سافر ولده ليدرس في القاهرة، تلك التي تخطف زين الشباب ، يتهافتون عليها من كل حدب و صوب.. ” مصر أم الدنيا.. بتاخد العيال من حضن أمهاتها.. ” قال ، عندما عادت زوجته – بتقول حاجة يا أبو محمد.. يحرك رأسه أن لا.. فتضع كوب الشاي أمامه و تهم بالإنصراف لتتركه في خلوته اليومية.. – إيه ده يا ولية؟؟ جايبالي شاي!! أنا قولتلك عايز قهوة. – و الله قولت شاي.. – أتخبلت أنا.. صح؟! ،مش عارف قلت إيه، أنا قولت شاي.. ، يقولها ثم يصرف وجهه عنها و يوليها ظهره ثم يضع خده فوق كفه دليل على الغضب.. ليبدو كما الأطفال. تنصرف أم محمد حامله كوب الشاي، و هي تحدث نفسها.. ” و الله قال شاي!!” – الكتكوت هرب من العشة تاني يا أبا.. يقهقه أبو محمد من جديد.. – كتكوت غبي.. يا محمد.. مش شاطر زيك. تأخذه الذكريات مرة أخرى، أرسل محمد ليكمل تعليمه و يصير طبيبا.. ثم يعود ليخدم أهل قريته و يقر عين والديه. فلا يكون للبلدة حديثا غير محمد راح.. محمد جاء.. سافر محمد و أكمل تعليمه.. أصبح طبيبا.. طبيبا مشهورا.. مشهورا جدا.. لكنه لم يعد و لم يخدم أهل قريته..! كم تمنى أن يراه في حلته عريسا.. إلى جواره إبنة شيخ الغفر أو حتى إبنة العمدة.. فهو الطبيب محمد، لكنه تزوج بأخرى بلا ملامح و لا أصل يعرفه.. حتى أنه لم يدع والديه للزفاف. غفرت أم محمد بقلب الأم و تمنت السعادة لولدها و إن كان في القلب غصه.. أما هو فقد كسر هذا الأمر ظهره و أحناه.. لكنه فرق شرباتا على القرية كلها فقد تزوج ولده..! يدق الباب.. ليدخل جار أبي محمد.. – أفتحو التليفزيون بسرعة.. الدكتور محمد في التليفزيون. تهرول أم محمد عند سماع اسم ابنها. – ماله محمد.. ابني حصله إيه. يقول الرجل. – إهدي يا أم محمد… الدكتور محمد في التليفزيون. تركض لتفتح التلفاز.. و تقف أمام الشاشة كما المجذوب. يغادر الرجل، و يجلس الأبوان ليشاهدا قرة العين، و فلذة الكبد. – في نهاية الحديث.. هل توجه شكرا لأحد ساعدك؟ قالت المذيعة – بالطبع.. قالها ليضطرب أبو محمد و تتسارع دقات قلب أم محمد. أريد تقديم الشكر لكل أساتذتي و أخص بالذكر .. الدكتور……… و ……….و ………. تمسك أم محمد بيد زوجها و كأنها تخبره مؤكد ستنطق شفتيه بكلمتي أمي و أبي. يكمل حديثه – و أيضا، لا أنسى صاحب الفضل الأكبر.. و سبب وجودي بينكم اليوم.. ترتجف يد أبي محمد في يد زوجته و تتدحرج دمعه على وجنتها. – حمايا.. الدكتور…………. تختم المذيعة.. و تنتهي الحلقة. تذرف أم محمد الدموع ، ثم تمسحها مسرعة قبل أن يراها زوجها. – ما تزعلش يا أبو محمد.. هو مقصرش في حاجة.. بيبعتلنا فلوس كل شهر.. حتى التليفزيون ده هو إلي بعت تمنه. – يا ريته ما بعت تمنه.. ياريته ما سافر و لا أتعلم.. يعود أبو محمد لذكرياته من جديد.. عندما جاء ولده الصغير و هو يبكي ثم يجلس في حجر والده و يضع رأسه فوق كتفه لتبلل دموعه صدر والده كان قريبا جدا منه، هذا هو ولده.. ولده الحبيب الصغير، ولده الذي يبكي بسبب كتكوت.. ليس هذا الطبيب البعيد جدا.. جدا. يبكي محمد.. فيتمزق قلب والده – مالك يا محمد.. إيه إلي حصل يا ابني.. متعيطش. – أبا الكتكوت مات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.