عاجل

11

التناسق والتوافق الغير مألوف،والذى نجده على ملامح كلاً من الرئيس عبد الفتاح السيسى والرئيس الروسى فلاديمير بوتين، فى لقاءتهما الثنائية، يجعلنا نبحث ونتئاسل عن أوجه التشابه بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ونظيره الروسي فيلاديمير بوتين ، فدائمًا يحرصان على التصافح بود، ينتهجان أسلوبًا يكاد يتشابه في إطاره العام، تحت مبدأ “المصالح” في التعامل مع الغير، ويظل لكل موقفًا معطياته المختلفة، ويجتمع في اتفاق كل منهما على إعادة الشخصية الاعتبارية لدولته وهيبتها أمام العالم أجمع من جديد، بعدما مرت كل منهم بفترة انتكاسة سادت خلالها توقعات الانحدار أكثر من الإفاقة مرة أخرى واستكمال مسيرة دولتين يحملان أصالة تاريخية.

فقد استطاع الرئيس الروسي في أعوام قليلة إعادة هيبة الدولة الروسية وإنقاذها من التفكك والانهيار وإقامة اقتصاد قوي وأعاد لها صوتها المؤثر والمسموع في جميع المحافل الدولية ، وبالمثل فعل الرئيس السيسي الذي استجاب لنداء الملايين من شعب مصر وأنقذ مصر من حكم جماعة الاخوان الإرهابية واستطاع في شهور قليلة وليست أعوام إعادة الهيبة إلي الدولة المصرية في جميع المحافل العربية والافريقية والدولية كما عمل أيضا بالمثل علي استقلال القرار المصري ومحاربة الإرهاب بكل قوة.

النشأة العسكرية
يتشابهان فى أنهما صعدا إلى قمة الحكم بعد رحلة تدرج فى قلب الدولة، وليس من خارجها، وأن كلا منهما مثل الأمل الأخير لدولته حيث شعر الناس أنه إما هو أو الإنهيار.

فقد تخرج السيسى من الكلية الحربية سنة 1977، وحصل على ماجستير العلوم العسكرية من كلية القادة والأركان، وعمل كقائد في سلاح المشاة ،وبعدها كملحق دفاع بسفارة مصر بالسعودية، وقائد لواء فرقة مشاة ميكانيكي، ثم تدرج في صفوف القوات المسلحة المصرية ليتعين كرئيس للأركان في المنطقة الشمالية العسكرية، وبعدها عين كقائد للمنطقة الشمالية، وبعد التدرج داخل المؤسسة العسكرية ويصل لمرتبة مدير المخابرات الحربية في عهد مبارك، ثم رقاه مرسي لرتبة فريق أول، وبعدها أمر بتعيينه وزيرًا للدفاع وقائد أعلى للقوات المسلحة المصرية خلفًا للمشير طنطاوي، إلى أن ترك ذلك المنصب ليترشح في الانتخابات الرئاسية، ويفوز ويتولى رئاسة مصر.

أما بالنسبة لبوتين فعقب تخرجه من جامعة لينينجراد، عمل في لجنة أمن الدولة “KGB” بالاتحاد السوفيتي سابقًا، وتم إرساله عام 1984 إلى أكاديمية الراية الحمراء التابعة لـKGB ومدرسة المخابرات الأجنبية، بعدها تم تعيينه للعمل بجمهورية ألمانيا السابقة في الفترة من 1985 – 1990، تولى بعدها منصب مساعد رئيس جامعة لينينجراد للشؤون الخارجية، حتى أصبح مستشارًا لرئيس مجلس مدينة لينينجراد، كما كان النائب الأول لرئيس حكومة المدينة سانت بترسبرج عام 1994، ثم أصبح أول نائب لرئيس الإدارة المسؤول عن السياسات الإقليمية، وصدر قرار بتعيينه مديرًا لجهاز الأمن الفيدرالي، وسكرتيرًا لمجلس أمن الدولة، حتى قام الرئيس الروسي بتعيينه رئيسًا للوزراء عام 1999، وعقب استقالة الرئيس الروسي يلتسين في ديسمبر 1999، أصبح بوتين رئيسًا لروسيا بالإنابة، ليتم تنصيبه رئيسًا رسميًا للاتحاد الروسي يوم 8 مايو عام 2000.

بطل شعبى

تولى السيسى إدارة البلاد بعد انتخابات رئاسية أجريت في يونيو 2014، بعد عام من ثورة 30 يونيو التي خرجت ضد نظام الرئيس المعزول محمد مرسي وجماعة الإخوان، بعد تولي أعضاء الجماعة مقاليد الحكم وزمام الأمور وعانى الشعب من ارتفاع الأسعار وانقطاع الكهرباء المتواصل، وإرهاب من خلال دحر أنصار الرئيس المعزول لكل المسيرات المعارضة، والسياسة الخارجية التي أضعفت موقف مصر في نظر دول العالم. الاختلاف بين الاثنين يكمن في أن بوتين جاء بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بينما جاء السيسي بعد ثورتين، هدفا الاثنان إلى بناء دولة جديدة ولكن التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي واجهت كل منهما تختلف عن الآخر، فالأول يواجه تحديات تتعلق بمواجهات حرب باردة مع الغرب، بينما الثاني يسعى إلى تلاحم الشعب والقيادة أولًا.

أما بوتين فقد اختاره الرئيس بوريس يلتسن رئيسًا للحكومة، ثم فاجأ يلتسن البلاد والعالم بالاستقالة في نهاية ديسمبر 1999 ليصبح بوتين رئيسًا بالوكالة إلى أن تم انتخابه للرئاسة في 26 مارس 2000، وتولى منصبه رسميًا في 7 مايو 2000، أعيد انتخابه للرئاسة في 14 مارس 2004 لولاية ثانية وأخيرة حسب نص الدستور، ثم تولى في 8 مايو 2008 منصب رئيس الوزراء، ليعود إلى الرئاسة بعد فوزه بانتخابات مارس 2012 متناوبًا مع صديقه ديمتري ميدفيديف.

التنمية الداخلية

أدرك السيسى منذ لحظة توليه الرئاسة أن المشكلة التي تعاني منها مصر، تكمن بالأساس في الاقتصاد وليس السياسة، فاتجه إلى أمرين، أولهما تكثيف الزيارات للخارج للدول الكبيرة التي يمكن التعاون معها اقتصاديًا كروسيا والصين وإيطاليا واليونان وقبرص إلى جانب الدول العربية كالسعودية والإمارات وغيرها، وثانيهما لقاءاته مع المستثمرين التي كثفها وأثمرت بإنجاح المؤتمر الاقتصادي الذي انعقد بشرم الشيخ، بدعوة رؤساء الشركات وصناديق الاستثمار للمجيء للاستثمار في مصر، محاولًا التركيز وإبراز فكرة أن مصر لديها رؤية وتسعى لتعديل القوانين وإنشاء مجلس أعلى للاستثمار. وركز السيسي بعد ثلاثة أشهر من رئاسته على طرح المشروعات على أرض الواقع، كمشروع قناة السويس الذي سيزود الإيرادات من 5.2% لـ 13.5 مليار دولار، كما أنه من طرح فكرة 3400 كيلومتر طرق التي بدأت بالفعل، ومشروع “4 مليون فدان”، إلى جانب مشروعات البنية التحتية التي ركز عليها في المؤتمر الاقتصادي،ومشروع المركز اللوجيستي العالمي للحبوب والغلال والسلع الغذائية بدمياط،ومشروع العاصمة الإدارية الجديدة،ويتضمن مخطط المشروع إنشاء مطار دولي عملاق،والمشروع القومى للقري الأكثر احتياجًا، ومشروع التمكين الاقتصادي ل 4 الاف امرأة مصرية، والمشروع القومي للتنمية المجتمعية والبشرية والمحلية “مشروعك” ، وبعدها مشروعات النقل والاتصالات، بعدما كان الاستثمار بعيدًا عن احتياجات ومتطلبات مصر، مرسخًا فكر الاستثمار فيما تحتاجه البلد وليس ما يرغبه المستثمر.

بينما تسلم بوتين حكم روسيا بعد 10 سنوات من الانهيار التام بعد تفكك الاتحاد السوفيتي ،وانفصال14 جزءًا منه إلى جمهوريات مستقلة، ووصل الانحدار إلى درجة كانت قاربت فيها على الإفلاس، وفقدت العملة الوطنية “الروبل” جانبًا كبيرًا من قيمتها، بعد أن اضطر البنك المركزي الروسي إلى التوقف عن دعم الروبل، على خلفية انهيار أسعار النفط، وكان على بوتين بناء دولة من جديد، فأعادها للوعي والحياة بعد 10 سنوات من حكم يلتسن الذي زاد البلاد رخوًا.
كانت روسيا الأكثر حظًا اقتصاديًا رغم الأزمة، كما أن بوتين خلال مدتين رئاسة له هيأ المناخ العام للنهوض ببلاده اقتصاديًا ،لأن روسيا أكبر دولة في العالم بها غاز ورابع دولة على مستوى العالم في البترول، كما أنه ثاني أكبر قوة منتجة ومصدرة للسلاح في العالم ، كما أنها من أكبر الدول في إنتاج القمح، ، كما أنه بعد تدمير الاتحاد السوفيتي انتشرت إعلانات التبرعات في البلاد لصالح الاتحاد، وتمكن من النهوض بالأوضاع الراكدة من خلال الركيزة التي اعتمد عليها، واستخدمت دول الاتحاد السوفيتي فكرة “التخصص” بحيث تركز كل دولة على مجال معين يخدم باقي دول الاتحاد كمجالات الطاقة النووية والزراعة والتكنولوجيا والأقمار الصناعية وغيرها، وبعد استقلال الدول عن روسيا افتقرت لتلك المقومات، إلا أن البترول كان مخرج روسيا من هذا المأزق.

إعادة رسم الخريطة الخارجية

اتسمت سياسة السيسى الخارجية بإنهاء عهد التبعية ، بعدما انهارت مكانة مصر في عهدي مبارك ،ومرسي، وأصبحت تابعة لا يحترمها أحد، فأعطى السيسي لمصر أهميتها، وأصبحت دولة مؤثرة بزياراته إلى الدول الأوروبية الهامة والأمم المتحدة، ما أشعر المواطن بالعزة والكرامة، وعادت مصر تتزعم المنطقة، كما شاركت في الأزمة اليمينة والعراقية وليبيا، وأصبحت عاصمة لإفريقيا بإعادة العلاقات مع إثيوبيا.

وقد نجح بوتين في بلورة الشخصية الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ومن خلال العلاقات الخارجية استطاع أن يُشعر المواطن الروسي بالعزة والكرامة، فاهتم بكل صغيرة وكبيرة، وصنع العديد من العلاقات إلى جانب النهوض بالدولة حتى جعل من دولته منافسًا للولايات المتحدة الأمريكية، أدار الدولة بطريقة النظام الرئاسي ليكون رئيس الدولة هو المسؤول الأول عن اتخاذ القرار وصنعه أحيانًا.

التحدى العاقل لأمريكا

حظي السيسي بصداقة كبار القادة الأمريكين وعلي رأسهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما، لكنه تحرك عكس عقارب الساعة الأمريكية عندما وجد أن مصلحة بلاده تقتضى ذلك، وكان أول ما سعى إليه السيسى هو محاولة إخراج مصر من التبعية لأمريكا، وتخطى حالة عدم الاتزان التى عانت منها مصر منذ سقوط نظام مبارك، حيث أصبحت العلاقة بين النظام المصرى الجديد والولايات المتحدة متأزمة، خاصة مع الضغط الأمريكى المستمر والتلويح بورقة المساعدات للضغط علي النظام المصري، من هنا كانت خطة الرئاسة الأساسية التخلي عن التبعية لأمريكا، والخروج في رحاب دول كبرى أخرى، يمكن أن تحدث نوعاً من التوازن الدولى فى علاقتها مع مصر، وبالتالى اتجه السيسى إلى روسيا، وإلى الصين، وغيرهما من دول العالم ذات القوة الاقتصادية والتأثير السياسى.

لم يكن تحدى بوتين لأمريكا من قبيل القوة العنترية ، و لم يكن أيضًا مبنيًا على أفكار أيديولوجية، ولكن على رؤيته لمصلحة بلده، حيث دعت روسيا إلي إنشاء درعها الصاروخي المستقل عن أمريكا، ومن المتوقع أن يسحب الأوربيون تأييدهم لحائط الصاروخ الأمريكي إذا نجحت روسيا في ذلك، كما أعلن الرئيس الروسي

هيبة الدولة
فى تقديرات كثير من المحللين، فإن اندفاع بوتين لمساعدة مصر للخروج من الفخ الأمريكى، يعود إلى تقديره أن الربيع العربى كان فى جزء كبير منه مؤامرة للمخابرات المركزية الأمريكية، وأن هذه بدورها كانت تستعد للتحرك تجاه روسيا بعد الانتهاء من تسليم الشرق الأوسط للإسلاميين، وهو يعتبر أن المظاهرات التى خرجت فى 2012 بعد نجاحه فى الانتخابات الرئاسية بنسبة 86٪ جزء من هذه المؤامرة،

وهو يتشابه مع السيسى فى إيمان كل منهما بضرورة هيبة الدولة والانتباه للمؤامرات الخارجية. وقد نقل عنه أنه كان يقول «لا يمكن إحراز أى تحول تجاه الليبرالية أو اقتصاد السوق ما لم تكن الدولة قوية».. وقد وصفه المحللون الغربيون بأنه يحكم بسلطة تستند للقانون وليس بسلطة القانون ولعل شيئا من هذا يحدث فى مصر حاليا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *