عاجل

1

تتوالى التصريحات التركية والأوروبية حول أزمة اللاجئين السورين بشكل لا يثير التعاطف والشفقة، بقدر ما يثير الكثير من التساؤلات حول السيناريوهات الغربية المقبلة بشأن استخدام هذه الأزمة لغزو سوريا وفقًا للسيناريو الليبي مع إمكانية استخدام قوات برية عربية، كما صرح بذلك وزير الخارجية الأمريكي جون كيري.

وانتقد رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو الدول الأوروبية بسبب الأعداد الصغيرة للغاية من اللاجئين التي يقبل بها الاتحاد الأوروبي، واصفًا القارة الأوروبية بالقلعة المسيحية، ولم ينس أغلو تذكير أوروبا بأن تركيا استقبلت أكثر من 2 مليون لاجئ من سوريا والعراق، وأوجدت “منطقة عازلة بين الفوضى وبين أوروبا”.

أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فقد وصف الدول الأوروبية بتحويل البحر الأبيض المتوسط إلى “مقبرة للمهاجرين” ردًا على نشر صورة الطفل السوري الذي عثر عليه غريقًا على أحد شواطئ تركيا، مشددًا على أن ذلك يجعل منها شريكة في الجريمة التي تقع كلما يقتل لاجئ.

من الواضح أن تركيا تحاول دفع المأساة الإنسانية إلى قضية طائفية دولية، لا تتوقف فقط عند المسلمين والمسيحيين، بل وتصل في بعض وسائل الإعلام إلى أنه يتم إجبار اللاجئين المسلمين على اعتناق المسيحية، الأمر الذي يصب في خانة الدعاية الدينية المتطرفة، ويخدم سيناريوهات ليس فقط داعش، بل وأيضًا كل الأحزاب والتنظيمات الإرهابية التي تحاول ارتداء ثوب المعارضة الدينية.

على الجانب الآخر، الأكثر تطرفًا، تصدر تصريحات مختلفة، سواء من الأحزاب اليمينية الأوروبية أو من وسائل الإعلام الصفراء لتسلط الضوء على المخاطر التي تهدد الهوية الأوروبية من تواجد هذه الأعداد الضخمة من اللاجئين “المسلمين” في المجتمعات الأوروبية، بينما تحذر الأجهزة الأمنية والاستخباراتية من إمكانية تسلل عناصر داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية وسط اللاجئين إلى دول أوروبا “لاستكمال مهمة إقامة دولة الخلافة”.

وعلى الفور أعلنت صحيفة بريطانية أن أكثر من 4000 من مقاتلي تنظيم “داعش” تمكنوا من التسلل إلى دول الاتحاد الأوروبي في شكل لاجئين.

وأفادت صحيفة (صنداي أكسبرس) البريطانية نقلًا عن مصدر في التنظيم الإرهابي بأن عملية انتقال هؤلاء إلى أوروبا تمت بنجاح.

وقال المصدر أيضًا “إن مقاتلي تنظيم “داعش” انضموا إلى جموع اللاجئين المتزاحمة في ميناءي مدينتي أزمير ومرسين من حيث ينطلقون عبر المتوسط إلى إيطاليا، مضيفًا أن عناصر التنظيم الإرهابي بعد ذلك سيتوجهون إلى دول أخرى، على رأسها السويد وألمانيا.

وفي أول تعليق على هذه المعلومات، أكد رئيس الاستخبارات الفيدرالية الألمانية جيرهارد شيندلر إمكانية أن يحاول الإرهابيون التسلل إلى دول الاتحاد الأوروبي بين صفوف اللاجئي، وقال شيندلر في حوار مع صحيفة “بيلد” الألمانية إنه “لا توجد لدينا في الوقت الراهن معلومات عن وجود إرهابيين بين اللاجئين من الشرق الأوسط وأفريقيا، لكن لا يمكن استبعاد أن يستخدم الإرهابيون الإمكانات التي بحوزتهم للتسلل إلى أوروبا”.

في هذا الصدد أيضًا حذَر الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرج من خطر أن يؤدي تمدد تنظيم “داعش” إلى تسلل أفراده إلى أوروبا من خلال الهجرة غير الشرعية وعبر التخفي وسط جموع اللاجئين الضخمة. وأوضح أن خطر دفع تنظيمات مثل “داعش” ببعض المتشددين للتسلل إلى أوروبا بين صفوف موجة المهاجرين الهائلة يعد خطرًا مُقدرًا بحجم الإشارات السياسية التي تنبه إليه، فالأمر أشبه بهجرة عكسية الآن من الشرق الأوسط إلى أوروبا للقيام بهجمات أكثر تركيزًا وكثافة، ما يتطلب يقظة استثنائية من كل الأجهزة الأمنية والاستخبارية وحتى العسكرية، خاصة وأن الوافدون الجدد سيمكنهم التحرك عبر 26 دولة دون قيد أو شرط وفق اتفاقية شينجن، والكثير من هؤلاء الوافدين قد جاءوا أصلاًمن دول مثل سوريا والعراق، حيث يتمتع تنظيم داعش بنفوذ في مناطق شاسعة.

الحديث يدور الآن حول إمكانية تحويل قضية اللاجئين السوريين تحديدًا إلى رأس حربة موجهة لا للإرهاب، وإنما للنظام السياسي في دمشق، واستخدام هذه الورقة لدق أسافين طائفية تخدم الإرهاب والتطرف وطموحات بعض الساسة الذين يدعمون الإرهاب والعنف من جهة، وتمنح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة الذريعة الأقوى لتنفيذ السيناريو الليبي في سوريا من جهة أخرى، ولكن باستخدام قوات عربية برية هذه المرة، وفقًا لتصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، وعلى نفس نهج مدير الاستخبارات الأمريكية ديفيد بتريوس الذي يرى ضرورة التعاون مع تنظيمات إرهابية أخرى مثل جبهة النصرة.

الدول الأوروبية من جانبها سقطت في مصيدة خلافات غير معروفة الأسباب أو الأهداف، ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومات الرسمية عن التسامح وضرورة احتواء اللاجئين مع بعض التحذيرات المبطنة، تخرج الأحزاب الرسمية ذات التأثير الاجتماعي لا للتحذر فقط من وجود هؤلاء اللاجئين والمخاطر التي يشكلونها على المجتع والهوية الأوروبيين، بل وتتهم أيضًا حكومات أوروبية أخرى باستخدامهم في أهداف أخرى كشكل من أشكال الإدانة على مبدأ الموافقة اللجوء نفسه، فقد وجَهت ماري لوبان زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية اليمينية المتطرفة اتهامات شديدة اللهجة لألمانيا التي فتحت حدودها أمام آلاف من المهاجرين وطالبي اللجوء، معتبرة أن ألمانيا تسعى إلى اتخاذ هؤلاء المهاجرين “عبيدًا” وتشغيلهم بأجور متدنية.

وقالت “لوبان” المعروفة بمعارضتها للهجرة،  لمؤيديها” إن ألمانيا تظن أن سكانها يشرفون على الهلاك، وربما تكون تسعى إلى إعطاء أجور متدنية، لذا فإنها تواصل جلب العبيد من خلال الهجرة الجماعية، ومع ذلك أعلن الرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند بأن بلاده سوف تستقبل 24 ألف لاجئ خلال العامين المقبلين.

ويبقى فقط التساؤل، لماذا هذا العدد بالضبط، ولماذا خلال عامين، بينما داعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى تواصل تدمير سوريا والعراق وليبيا!

التصريحات التركية بشأن اللاجئين السوريين تمثل الوجه الآخر لتصريحات الأحزاب الأوروبية اليمينية المتطرفة، ولن نتحدث عن الأحزاب والمنظمات النازية التي قد تبدأ حملات “إرهابية” حقيقية ضد هؤلاء اللاجئين، بمن فيهم من أطفال ونساء، أما الساسة الأوروبيون فهم يحاولون الآن بلورة رؤى سياسية تتوافق وسيناريوهات واشنطن وحلفائها من الشرق والغرب لخلق ذرائع جديدة، وتحميل النظام السوري المسؤولية الكاملة، بينما يتوسع تنظيم داعش ويثبت أقدامه ويواصل تصدير النفط والحصول على أسلحة ومعلومات وتدمير البنى التحتية والإرث الحضاري والثقافي لدول المنطقة.

إذا كانت شهية الإعلام الغربي والعربي قد انفتحت فجأة للتلاعب بمأساة إنسانية نتجت بالدرجة الأولى عن استفحال الإرهاب واتساع نطاقه، فالشهية السياسية لدى قادة وساسة العديد من الدول بدأت باستخدام أزمة اللاجئين لاستكمال أوراق ناقصة تخدم أهداف بعينها.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *