عاجل

1

 

كتب  : عبد الشكور عامر

انتشرت فى الأونة الأخيرة دعوات للحوار والمصالحة الوطنية ، وذلك عبر شخصيات عامة والتى طرحت مبادرات عدة للحوار والمصالحة بين الدولة المصرية والمعارضة التى رفضت بيان الثالث من يوليو عام ٢٠١٣ والذى القاه المشير عبد الفتاح السيسى آنذاك بحضوربعض فصائل القوى الوطنية وبعض ممثلى الأحزاب السياسية والأزهر والكنيسةوقيادات المؤسسة العسكرية ، وفى ظل غياب تام لقوى التيار الإسلامى وما يسمى تحالف دعم الشرعية الداعم للرئيس المعزول محمد مرسى .

هذا الغياب والرفض التام لما تمخض عنه البيان الذى تم بموجبه عزل الرئيس تحت سمع وبصر وحماية شعبية متكاملة الأركان من مؤسسات الدولة المصرية وعلى رأسها مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء ، والتى مثلت الداعم الشرعى والأساسى لأول عملية سياسية ديمقراطية بعد ثورة يناير ، وقد مثل هذا الرفض من تحالف ما يسمى دعم الشرعية اول مسمار فى نعش الوحدة الوطنية والإستقرار السياسى والمؤسسى .

ومنذ ذلك التاريخ و البلاد فى حالة من الجمود السياسى والفكرى نتج عنها حالة إستقطاب حاد لم يسبق ان مرت بها مصر عبر تاريخها الحديث ، ولم تقتصر هذه الحالة على الأحزاب ، بل امتد اثرها فى كل ركن من اركان الدولة والمجتمع المصرى ، وأحرقت نارها كل كل بيت ومؤسسة واكتوت بلهيبها الجماعات الأدبية والدينية والأحزاب السياسية والزملاء فى العمل ، وشوهت كل اشكال العلاقات الإنسانية والأسرية .

وبلغ من أثارها السيئة على المجتمع والدولة المصرية رفض كل فريق لأى رأى يخالف رايه او رؤية غير رؤيته ، فأُصيبت آذان المصريين بالصمم وعيونهم بالعمى عن رؤية ما تجهله عقولهم من فقه الأولويات والمصالح والمفاسد ، وكأنهم لم يقرأوا قول بن تيمية عليه رحمة الله : ليس العاقل من يعرف الخير والشر ، ولكن العاقل من يعرف خير الخيرين وشر الشّرين .

وبين هذا وذاك من الفريقين غابت قيم التسامح وفُقدت أبسط مبادئ الحوار والتفاهم والإستماع الايجابى ، وتمزقت اواصر المحبة بين افراد الأسرة الواحدة وبين الزملاء فى ميدان العمل وغابت روح الفكاهة والود بين الأصدقاء والرفقاء ، وحلت مكانها روح الكآبة والكراهية والتعصب والإقصاء .

لقد تحول المشهد المصرى الى ساحة حرب غير نزيهة ، أُستخدم فيها الفريقين المتناحرين كل اشكال التشويه وابشع اساليب التدمير الذاتى لكل ما هو جميل فى حياة امتنا المصرية ، وطغت لغة التخوين والأحكام المُسبقة للخصم بالعمالة تارة وبالتكفير تارة أخرى ، واستغلت بعض الجماعات النص الدينى فى تكفير المخالفين لهم الرأى وإخراجهم من ملة الإسلام . متناسين عن جهل وعمد أن النص القرآنى كان حريصا اشد الحرص على إبراز واعلاء قيم الحوار والتسامح والتصالح والتواصل بين الأفراد والجماعات والكيانات .

واصبح الدفاع عن قيم الحوار سُبةً فى جبين الداعين له وخيانة للوطن ، و اتهم كل فريق من يدعون الى الحوار وإعلاء مصلحة البلاد على ما عداها من المصالح الحزبية و المنافع الشخصية من انصاره بالعمالة للفريق المنافس ، وعدوا ذلك تنازلاً عن مبادئهم التى يؤمنون يها وتخلياً صريحا منهم عن قضيتهم ، فخلطوا بفهمهم القاصر ببين الرأى السياسى والحكم الشرعى وبين ثوابت الدين ومتغيراته .

إن الدفاع عن قيم الحوارو التسامح والتواصل وقبول الآخر والإقرار بالخطأ والعفو عن خطأ الآخرين، جدير بأن يواجه ما يروج له البعض ممن يرفضون فكرة الحوار والمصالحة الوطنية بأن البديل يحمل معه روحاإقصائية انتقامية أو تناحرا بسبب الاختلاف فى وجهات النظر واولويات الإصلاح .

وتبدأ فكرة الحوار والمصالحة بصناعة واقع جديد يمكن من خلاله البدء فى عملية إحلال وتجديد مرحلى لنظام بديل من خلال إدراك الواقع ثم إعادة بناء لدولة تقوم على اساس من الحرية والعدالة الناجزة ثمّ تصور رؤية عامة تستهدف استعادة الدولة وإنقاذ الوطن وتحرير إرادة الشعب .
و يجب أن لا تتناقض مع رؤية وفقة المصالح والمفاسد وكذلك رغبة السلطة الحاكمة فى الحفاظ الحد الادنى من مكتسباتها .

إن بديل الحوار هو مزيد من الشِقاق والخلاف ، وبديل المصالحة الإحتراب الفكرى والمجتمعى ، ومزيد من التفكك الأسرى والتحزب والتعصب الأعمى للراى والجماعة على حساب الدين والوطن ، وضياع وتفريط فى كل معانى التواصل والتقارب وتجاهل لقيم العفو والتسامح وإعلاء مصلحة الوطن على ما عداها .
فهل يمكن أن يتنازل كل طرف عن بعض حقوقه من أجل ان تستمر الحياة ويعيش المواطن والوطن بغير مُنغصات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *