عاجل

1

كتب : وائل سنجر

كنت أمر بجوار التلفزيون وإذا بي اسمع كابتن خالد القماش المدير الفني لفريق الدراويش، الإسماعيلاوي المنشأ، يقول للمحاور بعد مباراة فريقه اليوم مع طلائع الجيش: اهدي هذا الفوز ل ” شعب” الإسماعيلية.. استرعى ذهني هذا المسلسل المتكرر والذي يحدث في مصر وفي مصر فقط .

هناك ثلاث محافظات فقط في مصر ضمن السبع وعشرين محافظة يستخدم أهاليها وقاطنيها مصطلح غاية في الخطورة على الأمن القومي المصري ولا ينتبه لذلك أحد بل تستخدم القناة الرابعة نفس المصطلح القناة المحلية للتلفزيون المصري المتخلف.. فمن منا لا يتذكر المذيع علاء وحيد بالقناة الرابعة المصرية المخصصة لمدن القناة والذي كان لا يعرف سوى تغذية نزعات الفرقة والنعرات والإثارة في أهالي المحافظات الثلاثة الإسماعيلية وبورسعيد والسويس.. والمصطلح المقصود هنا هو كلمة “شعب”.. فالدارج وسط مواطني مدن القناة جمل “شعب” الإسماعيلية”.. “شعب” بورسعيد.. “شعب” السويس .

وتنبع خطورة هذا التوصيف أنه يعكس حالة من القناعة الداخلية داخل هؤلاء السكان أنهم شعب واحد ذو هوية محددة مختلفة عن باقي المحافظات وثقافة واحدة وأهداف نابعة من انتماء شديدة لهذه البقعة من أرض مصر.. في أدبيات الأمن القومي المصري هناك شعب مصري واحد وأهالي وسكان للمحافظات والمدن والقرى والنجوع.. واذا نظرنا لهذه الظاهرة الشاذة بعين البحث العلمي والتروي العقلاني الهادئ والاستقصاء التاريخي مع البعد الشعارات الرنانة ولغة الإنفعال والتسخين وبث حالة الفرقة وثقافة الصراع، نجد أن هناك احساس مرضي غير مألوف تولد داخل أهالينا بهذه المحافظات نشأ بداخلهم نتاج كفاحهم ضد الاستعمار على مر العصور مع نظرتهم لباقي المحافظات والأهالي على أنهم لم يعانوا نسبة ضئيلة مما عانى منه أهل المحافظات الثلاثة نتاج الصراع العربي – الإسرائيلي منذ ودخول مصر في أكثر من حرب بالوكالة عن العرب.

ونشأ هذا الشعور وبدأت القصة في أعقاب العدوان الثلاثي على مصر سنة 56، مرورا بنكسة 67 وما ترتب عليها من آثار سلبية من عمليات التهجير، ثم حرب الاستنزاف، نهاية بحرب أكتوبر.

تولد بعد كل هذه المعاناة والمآسي شعور دفين، معلن تارة في الازمات والمشكلات ومستتر في الأوقات والأوضاع الطبيعية، داخل أبناء مصر في هذه المحافظات بأنهم هم فقط من ضحوا بالغالي والنفيس وقدموا شهداء وأموال وبيوت وحياة الخ في حروب وكوارث مصر المتكررة، فضلا عن رؤيتهم المتمحورة في أن محافظاتهم ومدنهم وقراهم لم تأخذ حظا من التنمية مثل محافظة بحجم القاهرة او الأسكندرية، إضافة إلى احساس بالإضطهاد في داخل أبناء محافظة مثل بورسعيد تحديدا في ظل حكم حسني مبارك بعدما صب غضبه على أبنائها في أعقاب ما أسماه نظامه بمحاولة اغتياله على يد السيد حسين سليمان الشهير بأبو العربي في سبتمبر سنة 1999 .

نحن أمام مشهد خطير يستحق الدراسة الاجتماعية والسياسية، كما يستدعي نكأ الجرح بعلمية ومهنية للبدء في خلق مصل مضاد قبل ظهور المرض اصلا. إن خطورة هذا المشهد الاجتماعي والسياسي الذي اعتبره مشهدا سياسيا وإجتماعيا شاذا قد يولد، على المدى البعيد، اذا لم يتم دراسته إجتماعيا وسياسيا، أكرر قد يولد نزعات انفصالية خاصة أن هذه المحافظات الثلاث بضم سيناء، المتأججة، لها تصبح محافظات حدودية.

إن القاطنين بهذه المحافظات من أهالينا قد يكونوا الأكثر وطنية والأكثر حبا لمصر من باقي مواطنيها ولا يوجد أي عاقل في مصر يمكن أن يزايد على وطنيتهم وتضحيتهم، لكن دراسة التاريخ تعطيك رؤية مستقبلية واضحة، ودراسة المرض تعطيك مصلا يكون كفيلا بالوقاية من المرض قبل ظهوره وإنتشاره.

الخلاصة في هذا المشهد السياسى الاجتماعي أننا أمام ظاهرة إجتماعية لم ترق لمرض اجتماعي، بل والأهم أنها لم ولن تصبح مشكلة سياسية، كما يحدث، على سبيل المثال، في دارفور غرب السودان أو في البحر الأحمر شرقها.والأهم هنا هو قيام الدولة ممثلة في مراكزها البحثية بإعداد دراسة علمية وإستقصاء بحثي ذو شقين أحدهما سياسي والشق الأخر إجتماعي، تحدد خلالها جذور المشكلة وطرق علاجها كي تقوم بوضعها أمام صانع القرار بجناحيه، سواء مؤسسة الرئاسة من ناحية أو مجلس النواب من الناحية الأخرى، بغية أن يتخذا ما يروناه مناسبا لهذا، بما في ذلك توجيه جزء أكبر من التنمية الاقتصادية والبشرية لهذه المحافظات، فضلا عن خلق وسائل وطرق بديلة للموجودة حاليا من أجل التوعية السياسية والإجتماعية لمواطني مدن القناة تحت شعار ولواء ” وطن واحد..شعب واحد.. مستقبل أفضل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.