عاجل

«إسرائيل قوية ضد أعدائها، لكنها فى الداخل ضعيفة ومتضاربة وجريحة».

هذه العبارة الكاشفة قالها وزير الدفاع الإسرائيلى بينى جانتس صباح الإثنين الماضى خلال افتتاحه المؤتمر السنوى لنقابة المحامين فى إيلات.

غالبية المسئولين الإسرائيليين يندر أن يتحدثوا بصدق، فيما يتعلق بصراعهم مع العرب، لكن عبارة جانتس الأخيرة صحيحة إلى حد كبير.

فى هذا اليوم قال جانتس أيضا: «هذا إنذار حقيقى، ومن دون المرونة لن يكون هناك حشد للحفاظ على الأمن ضد أعدائنا، ونحن لم نتعلم درسا من اغتيال رئيس الوزراء السابق إسحق رابين والدليل هو تعرض أعضاء منتخبين للتهديد بسبب التحركات الديمقراطية، الخلافات الأيديولوجية العديدة فى المجتمع الإسرائيلى لم تختفِ ولن تختفى، لكننا وصلنا إلى ساعة اختيار، وهذا الجدل ليس بينى وبين نتنياهو، ولكن حول شكل وجوهر وجود الديمقراطية الإسرائيلية. حول ما إذا كان الفساد ودهس سيادة القانون هو المعيار، أم أنه خط أحمر».

انتهى كلام جانتس، ومرة ثانية هو كلام يعبر عن الواقع فعلا، ويقوله كثير من المسئولين والخبراء والكتاب والمحللين فى إسرائيل بكثرة فى الفترات الأخيرة.

كانت إسرائيل منذ بدء الصراع مع العرب عام ١٩٤٨، تقول إنها واحة الديمقراطية فى قلب صحراء الاستبداد العربية، لكن من خلال التجربة الطويلة معها اكتشفنا أن ديمقراطيتها محدودة جدا، ويستفيد منها فقط أقلية من الأشكنازى الأوروبيين على حساب الغالبية من السفارديم، سواء كانوا عربا أو أحباشا أو أفارقة. وحتى داخل الأشكنازى تبين لنا وجود انقسامات عميقة، تتعلق مثلا بنظام الحكم الذى أرساه رئيس الوزراء الحالى بنيامين نتنياهو، وفيه تحول إلى ما يشبه الإمبراطور حينا، وزعيم المافيا حينا آخر، ثم اكتشفنا فى الشهور الأخيرة، أن كل ما يقال عن الديمقراطية الإسرائيلية وحكم القانون والعدالة العمياء، لم يستطع حتى الآن أن يوقف فساد نتنياهو الذى صار يزكم الأنوف.

المفارقة أن إسرائيل كانت تبدو قوية جدا، حينما كان العرب أقوياء إلى حد ما. كانت تستخدم فزاعة التهديد العربى من أجل حشد غالبية الإسرائيليين لمواجهة الخطر العربى المزعوم، الذى يكاد يكون توقف تقريبا بعد انتصار الجيش المصرى فى حرب أكتوبر ١٩٧٣، وبضعة انتصارات جزئية للمقاومة اللبنانية الفلسطينية، لكنها لم تتمكن للأسف من إنجاز التحرير الكامل لفلسطين.

الآن وحينما وصلت البلدان العربية إلى أضعف حالاتها فى مواجهة إسرائيل، وأسقطت المواجهة من حساباتها، بل إن بعضها أقام علاقات سلام مجانية مع إسرائيل، فإن الأخيرة تبدو ضعيفة ومفككة ومجروحة كما قال بالضبط بينى جانتس يوم الإثنين الماضى، لكن المفارقة المحزنة جدا أننا كعرب وكفلسطينيين لم نستطع أن نستفيد من هذا الضعف والانقسام والتفكك الإسرائيلى، والسبب ببساطة أننا أضعف منهم بكثير، بل إن بعضنا فى عز ضعفهم يندفع ويهرول إليهم بسرعة، معتقدا أنه يمكن أن يحصل على المقابل منهم.

لو أن هناك حدا أدنى من التضامن العربى، ما تجرأت إسرائيل على أن تواصل بلطجتها بالصورة التى رأيناها فى السنوات الأخيرة.

ولو أن العرب لم ينساقوا للحروب الأهلية والطائفية والجهوية التى ضربت المنطقة منذ بدايات عام ٢٠١١، ما تجرأت إسرائيل أن ترفض حتى ما لم تكن تحلم به من كرم عربى طوال سنوات الصراع. 

تجربة العدوان الإسرائيلى الأخير على القدس وغزة تقول بوضوح إن صمود الشعب الفلسطينى، فى الداخل، جعل إسرائيل تقبل بوقف إطلاق نار بعد ١١ يوما من العدوان، فى حين أن اعتداءاتها فى السابق كانت تستمر أحيانا لأكثر من ٥٠ يوما، مخلفة آلاف الشهداء والمصابين الفلسطينيين ودمارا واسعا فى البنية الأساسية خصوصا فى غزة.

كلام جانتس يجعل أى عربى مخلص، يتحسر ويندم على الفرص الكثيرة التى أضاعتها الحكومات العربية فى السنوات الأخيرة، وكان يمكنها إذا خلصت النوايا أن تحرر فلسطين بكاملها، لكن الأمراض العربية المزمنة خصوصا الفقر والجهل والفساد والاستبداد وغياب التوافق الوطنى والعدالة وسيادة القانون، جعلت إسرائيل، الغارقة فى الفساد، تشل إرادة معظم الأنظمة العربية.

التناقضات الإسرائيلية كثيرة، والانقسامات متعددة وأبرز ملامحها عدم القدرة على تشكيل حكومة مستقرة طوال عامين، رغم إجراء أربعة انتخابات برلمانية، وحتى حكومة «بينت ــ لابيد» قد لا تستمر طويلا، لكن الواقع الأسوأ يقول للأسف إن التناقضات والانقسامات العربية أشد وأنكى!

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *