عاجل

12688359_10153398063733506_8459738702085432884_n

 

ترجمة أ.د.أحمد شفيق الخطيب
قسم اللغة الإنجليزية – كلية اللغات والترجمة – جامعة الأززهر
*****************
كان طائر أبو زريق صاخباً منذ طلوع الفجر.
وكان يبدو أنه قد طار من فرع أكثر انخفاضاً من فروع شجرة الصنوبر بينما كانت يوشيكو تفتح مصاريع النوافذ ثم عاد مرة ثانية. وكان باستطاعتهم أن يسمعوا أجنحته وهم جالسون على مائدة الإفطار.
“ياله من صخب” ، قال أخوها ، وهو يتأهب للنهوض.
“دعه وشأنه” ، قالت الجدة. “أعتقد أن الطائر الصغير لابد من أنه سقط من العش أمس. فقد كان بإمكاني أن أستمع إلى الأم في الليلة الماضية بعد حلول الظلام. وأظن أنها لم تستطع العثور عليه. أليس ذلك بديعاً ، لقد عادت ثانية هذا الصباح.
“هل أنت متأكدة ؟” سألتها يوشيكو.
وفيما عدا مرض في الكبد ألمًّ بها منذ نحو عشر سنوات مضت ، لم تصب جدتها بأي مرض على الإطلاق ، ولكنها كانت تعاني من إعتام عدسة العين منذ كانت في مقتبل الشباب. أما الآن فإنها كانت لا تكاد تبصر ، وبالعين اليسرى فقط. وكان لابد من أن يناولها أحد طعامها. وكانت تستطيع أن تتلمس طريقها خلال المنزل ، ولكنها لم تخرج وحدها أبداً إلى الحديقة.
وكانت أحياناً تقف أو تجلس عند الباب الزجاجي وتحملق في أصابعها ، وقد فردتها في ضوء الشمس. وبدت حياتها كلها مركزة في تلك الحملقة.
وكانت يوشيكو تخاف منها. وكانت تشعر أنها تريد أن تناديها وهي بعيدة خلفها ، ثم تَنْسَلُّ بعيداً.
وامتلأت يوشيكو بالإعجاب لأن جدتها التي لا تبصر كان بإمكانها أن تتحدث عن طائر أبو زريق كما لو كانت قد رأته من قبل.
وعندما خرجت لتغسل صحون الإفطار ، كان طائر أبو زريق يتصايح من سقف المنزل المجاور.
وكانت هناك شجرة كستناء وعدة أشجار برسيمون في الفناء الخلفي. وكانت تستطيع أن ترى من خلال الخلفية التي تُكَوِّنها هذه الأشجار أن مطراً خفيفاً كان ينزل ، من الخفة بحيث كانت لا تستطيع تمييزه سوى من خلال الخلفية الداكنة.
وطار أبو زريق إلى شجرة الكستناء ، وطاف سريعاً فوق الأرض ، ثم طار عائداً مرة أخرى وهو يصيح طوال الوقت.
هل مازال الصغير قريباً من هنا ، حتى أن الأم ليست على استعداد للانصراف ؟
وذهبت يوشيكو إلى حجرتها. إذ لابد وأن تكون جاهزة قبل الظهيرة.
فقد كانت أمها وأبوها سوف يجيئان بأم خطيبها.
وبينما كانت تجلس أمام المرآة حانت منها التفاته إلى النقاط البيضاء على أظافر أصابعها. فقد كان يقال إنها علامة على أن أحداً سوف يأتي محملاً بالهدايا ، ولكنها كانت قد قرأت في إحدى الصحف أنها كانت في حقيقة الأمر دليلاً على نقص في فيتامين ج أو على شيء من هذا القبيل. وشعرت بالرضا عن وجهها عندما انتهت من زينتها. وجال بخاطرها أن حاجبيها وشفتيها كانت ساحرة إلى حد ما. كما كانت معجبة بالكيمونو الذي كانت ترتديه.
وكانت قد فكرت في أنها يجب أن تنتظر والدتها حتى تساعدها ، ثم شعرت بالسرور لأنها قامت بارتداء ملابسها بنفسها.
أما أبوها وأمها ، في حقيقة الأمر امرأة أبيها ، فلم يكونا يعيشان معهما.
وكان أبوها قد طلق أمها عندما كانت يوشيكو في الرابعة من عمرها وكان أخوها في الثانية. وقيل إن أمها كانت متبرجة ومبذرة ، ولكن يوشيكو كانت تحسب أن هناك أسباباً أكثر عمقاً.
ولم يقل أبوها شيئاً عندما عثر أخوها على صورة لأمها وأراها له. بل قطب جبينه ومزق الصورة إرباً إرباً.
وعندما كانت يوشيكو في الثالثة عشرة جاءت أمها الجديدة إلى البيت. وفيما بعد أخذت يوشيكو تفكر في أنه أمر غير عادي إلى حد ما أن أباها قد انتظر ما يناهز عشرة سنوات.وكانت أمها الجديدة امرأة طيبة وعاشوا حياة سعيدة هادئة.
وعندما التحق أخوها بالمدرسة الثانوية وذهب ليعيش في سكن الطلاب ، كان من الواضح لهم جميعاً أن موقفه من زوجة أبيه كان يتغير.
“لقد رأيت أمي”، قال ليوشيكو. “إنها متزوجة وتعيش في أزابو. إنها جميلة جداً. ولقد سرت لرؤيتي”.
وأصابت الحيرة يوشيكو حتى أنها لم تجب. وكانت على ثقة من أن وجهها قد شحب ، كما كانت فرائضها ترتعد.
ودخلت زوجة أبيها قادمة من الحجرة المجاورة.
“لا بأس. لا شيء خطأ إطلاقاً في أن يرى أمه. إن هذا أمر طبيعي. وكنت أعرف أنه سيحدث. وهذا الأمر لا يزعجني على الإطلاق”.
وبدت امرأة أبيها وقد ذهبت قوتها ، وبدت ضئيلة حتى أن يوشيكو شعرت بالإشفاق عليها بصورة ما.
ونهض أخوها وغادر المكان. وأحست يوشيكو بالرغبة في أن تصفعه.
“إنك لن تقولي أي شيء يا يوشيكو” قالت زوجة أبيها برقة. “إن هذا سوف يجعل الأمور تتأزم”.
وانهمرت دموع يوشيكو.
وعاد أبوها بأخيها من مسكن الطلاب. وحسبت أن ذلك سيكون نهاية الأمر ؛ ثم انصرف أبوها وامرأته.
وشعرت بالخوف. وأحست بأنه كان لديها القوة الكاملة ـ قوة غضب رجل ، أو ربما رغبته في الانتقام. وساءلت نفسها إذا كانت هي وأخوها لديهما شيء من المزاج نفسه داخل كل منهما. وشعرت أنها واثقة ، عندما ترك أخوها الحجرة ، من أنه قد ورث ذلك الشيء الرجولي العنيف.
ومع ذلك فقد أحست أيضاً بأنها كانت تعرف وحدة أبيها خلال تلك السنوات العشر التي انتظرها قبل أن يتخذ زوجة جديدة.
وأصابتها الحيرة عندما جاء أبوها يحدثها عن عريس منتظر.
“لقد مررت بوقت عصيب يا يوشيكو. وأنا آسف. لقد قلت لأمه إنني أريدك أن تستمتعي بحياتك كفتاة وهو مالم تحصلي عليه أبداً “.
وامتلأت عينا يوشيكو بالدموع.
وبزواج يوشيكو ، لن يكون هناك أحد يعتني بجدتها وأخيها ، ولذا فقد تم الاتفاق على أن يعيشا مع أبيها وزوجته. وكان هذا القرار هو ما حرك مشاعرها أكثر من أي شيء. وبسبب ما عانى أبوها منه ، كانت ترتعب من فكرة الزواج ، ولكن الآن وقد أصبح الزواج في طريقه إليها فإن الأمر لم يبد مرعباً على الإطلاق.
وتوجهت إلى جدتها عندما انتهت من ارتداء ملابسها.
“هل تستطيعين أن تري اللون الأحمر يا جدتي ؟”
“أستطيع أن أرى أن هناك شيئاً أحمر”. وجذبت يوشيكو إليها وأمعنت النظر إلى الكيمونو والأوبى* الخاصين بها. “لقد نسيت شكلك يا يوشيكو. كم سيكون لطيفاً لو استطعت أن أراك مرة أخرى”.
ووضعت يوشيكو يدها على رأس جدتها وقد شعرت بالحرج.
وخرجت إلى الحديقة. فقد أرادت أن تجري وتقابل أباها وزوجته. وفتحت راحة يدها ، ولكن المطر كان لا يكاد يكفي ليبللها. ونظرت من خلال الشجيرات وأعواد الخيزران وهي ترفع ذيل الكيمونو ووجدت طائر أبو زريق الصغير في وسط العشب تحت الشجرة.
وتسللت حتى وصلت إليه. وكان قد جذب رأسه إلى الخلف ، فبدا مثل كرة صغيرة متكومة. وبدا بلا حول ولا قوة ولم تجد صعوبة في الإمساك به. ونظرت حولها ولكنها لم تستطع أن ترى أمه.
وجرت عائدة إلى البيت.
“لقد وجدته يا جدتي. إنه يبدو ضعيفاً جداً”.
“حقاً ؟ لابد أن تعطيه بعض الماء”.
وكانت جدتها هادئة جداً.
وأحضرت كأساً من الماء وأدخلت منقاره فيه ، وأخذ يشرب بصورة غاية في الروعة ، جاعلاً حوصلته الصغيرة تنتفخ.
“كيكي كيكي كي” . وعاد إليه نشاطه سريعاً.
ولما سمعته الأم نادته من فوق سلك من أسلاك الكهرباء.
“كيكي كي”. وناضل الصغير في يد يوشيكو.
“كم هذا لطيف” قالت جدتها. “لابد من أن تعيديه”.
ودخلت يوشيكو إلى الحديقة. وكانت الأم قد تركت سلك الكهرباء وجلست ترقب يوشيكو من فوق شجرة الكرز.
ورفعت يوشيكو يدها لكي يظهر طائر أبو زريق ، ثم وضعته على الأرض.
وأخذت ترقب المنظر من وراء الباب الزجاجي. ونادى الطائر الصغير نداء محروم وهو يرفع صوته. وازداد اقتراب الأم وسرعان ما طارت إلى الأفرع الأكثر انخفاضاً لشجرة الكرز التي كانت فوقه تماماً. ورفرف الطائر الصغير بجناحيه كما لو كان يشرع في الطيران، ثم سقط إلى الأمام ، وهو يصيح منادياً أمه.
ولما كانت الأم شديدة الحذر ، فإنها ظلت فترة لا تهبط.
ثم ، في انقضاض خاطف ، سرعان ما كانت إلى جانب الصغير ، الذي كانت سعادته لا يحدها حد. واهتزت الرأس ، وارتعد الجناحان الممتدان ، فبدا مثل طفل مدلل. وبدا أن الأم كانت تطعمه.
وأحست يوشيكو بالرغبة في أن يسرع والدها وامرأته. فقد أرادت لهما أن يريا هذا المنظر.

The following two tabs change content below.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *