عاجل

12688359_10153398063733506_8459738702085432884_n

ترجمة أ.د. أحمد شفيق الخطيب

قسم اللغة الإنجليزية – كلية اللغات والترجمة – جامعة الأزهر

**********************

منذ حوالي ألف سنة مضت أعطى شيشرون([1]) النصيحة التالية

لمن يعتزمون الاشتغال بالخطابة : “كل اختلاجات الروح يجب أن تصاحبها إيماءات من اليد ، والأصابع ، والذراع الممدودة ، والقدم التي تدق الأرض ، أما مالهما قدرة خاصة على التعبير فهما العينان. فالإشارات هي لغة الجسد التي تتضح حتى بالنسبة للبدائيين وغير المتمدنين”.

ويمكن للإشارة أن تحل تماما محل كلمة أو حرف مفرد ( كما في أبجدية الصم والبكم) أو أن تمثل مفهوما كاملا. وبالإضافة إلى ذلك ، فإنها يمكن أن تؤدي وظيفة بحسبانها نوعا من الرمز أو حتى الشفرة. ومن الأمثلة على ذلك لغة الإشارة التي تُستخدم في الألعاب الرياضية أو في الطيران ، والإشارات التي يستخدمها مراقبو حركة المرور ورجال الإطفاء والغواصون.

وقد حظيت مؤخرا المسألة المعروفة بالاتصال البشري غير الصوتي باهتمام كبير من جانب العلماء ، فصدر حديثا في كولومبيا قاموس في مجلدين يضم ألفي إشارة يستخدمها الأمريكيون اللاتينيون في حياتهم اليومية. وتتيح القدرة على فهم لغة الإشارات لشعب ما نظرة أعمق إلى شخصيته وتراثه الثقافي وأساطيره وفنه الشعبي بأسره. ومن المهم أن ندرس الملامح المحددة لاستخدام الإشارات في مجال تعلم اللغات ، وتصميم الرقصات ، وعملية تدريب الممثلين.

مصادر الإشارة

إن القدرة على الإشارة كامنة في الإنسان وبوصفه نوعا بيولوجيا. وعلى أية حال فإن الحيوانات أيضا لديها هذه المقدرة إلى حد ما. فمن سمع نداءات التزاوج التي يصدرها الطَّيْهُوج([2]) يعرف أنه يصاحبها طقوس معقدة ونابضة بالحيوية. وبالمناسبة فإنه يمكن ملاحظة أن لعبة التزاوج لا توجد في الحيوانات الثديية أو الطيور فحسب وبل أيضا في الأسماك وحتى في الزواحف. ووفقا لما يقوله العلماء ، فإن الإشارات البشرية المنفردة ، طالما يتم القيام بها بطريقة بديهية بحتة ، إنما تشير فعلا إلى حد ما إلى صلة الإنسان بالحيوانات. ومع ذلك فإنه في مجال تطور المجتمع ازدادت لغة الإشارات تعقدا واتخذت مضمونا جديدا هو مضمون اجتماعي. ويمكننا القول بأن كل شعب قد طوَّر شفرته الإشارية الخاصة به.

ولنأخذ النفي على سبيل المثال. فمنذ قرن مضى من الزمان توصل تشارلز داروين إلى نتيجة مؤداها أن هز الرأس ربما كان الحركة الطبيعية لطفل يرفض ثدي أمه. وربما كانت إشارة النفي هذه شائعة بين جميع الناس في فجر المجتمع الإنساني. ولكنها اتخذت الآن أشكالا مختلفة اختلافا كبيرا بل وأشكالا متضادة. فمن المعلومات العامة أن السائحين الأجانب يمكن أن يزجوا بأنفسهم في مأزق حقيقي في بلغاريا. فإشارات الإثبات والنفي هناك هي عكس ما هي عليه في أي مكان آخر : إذ أن “نعم” تعبر عنها حركة الرأس من جانب إلى آخر ، في حين “لا” تعبر عنها حركتها إلى أعلى وأسفل.

وكثيرا ما يعبر الهنود الأمريكيون عن “نعم” بتحريك الذراع فجأة إلى أسفل وقد انثنى عند المرفق في اتجاه الكتف. أما العرب وبعض الشعوب الأخرى فإنهم يعبرون عن النفي عن طريق إمالة رءوسهم إلى الخلف والطقطقة بألسنتهم ، ويعبرون عن عدم الموافقة التام عن طريق عض إظفر اليد اليمنى ، ثم مده فجأة إلى الأمام([3]). أما التركي في مثل هذه الحالات فإنه يرفع ذقنه إلى أعلى ويضيِّق من عينيه كما يطقطق لسانه بصوت عال. أما الياباني فإنه يهز يده ، بينما يكتفي أحد أبناء الملايو بخفض عينيه.

ومن الإشارات التي تمتاز بصفة خاصة بثرائها وتنوعها إشارات التحية. ففي الأزمنة السابقة كان الصينيون ، عندما يقابلون بعضهم البعض ، يهزون أيديهم هم ـ وهي إيماءة اتخذها الخطباء المحدثون واستخدموها للترحيب بالمستمعين إليهم. والبولينيزيون([4]) يتعانقون ويَحُكُّون ظهور بعضهم البعض. وأهل الإسكيمو يضربون الناس الذين يعرفونهم بقبضتهم على الرأس والكتفين. أما اللابيُّون([5]) فإنهم يحكُّون أنوفهم. أما الساموائيون([6]) فيشم بعضهم بعضا. وبين المصريين فإن إشارة التحية تشبه التحية العسكرية : يُرفع كف اليد إلى الجبهة. وبعض الشعوب الإفريقية ، بينما يتعانقون ، يلمس بعضهم البعض بخدودهم.

حتى التحدث الصامت ممكن. فعلى سبيل المثال فإن أهل البلاد الأصليين القدماء في أستراليا ظلوا يحرصون على عادة حظر المحادثة باستخدام الكلام. فالأرامل اللاتي قد قمن حديثا بدفن أزواجهن ، والشباب الذين يمرون بطقوس تقديمهم إلى المجتمع بوصفهم بالغين، والنسـاء اللاتي ودعن أزواجهن الخارجين إلى رحلة صيد ، لابد من أن يلزموا جميعا الصمت المطبق. وفي مثل هذه الأوقات فإنهم يلجأون إلى لغة الإشارات. ويشهد الرحالة بأنهم قد شهدوا نساء من سكان البلاد الأصليين القدماء وقد انهمكن في “محادثات” صامتة تتميز بالحيوية والطول. والصامتون المسيحيون، الذين يتفاهمون فقط بالحديث الأبكم لمدة سنوات ، يخطرون على البال في هذا المجال.

ويمكن ملاحظة استخدام معبِّر وقوي بصفة خاصة للإشارة في صقلية. ويقص أهل الجزيرة حكاية تفسر ذلك. فعلى ما يبدو فإن ديونيسيوس ، الحاكم الطاغية لسيراكيوس، قد منع المحادثات والمناقشات العامة وإلا تعرضوا للعقاب الشديد. ولكي يحتال الناس على هذا الحظر فقد توصلوا إلى لغة “صامتة” وبدأوا يتحدثون عن طريق استخدام ثروة من الإشارات.

الاصطلاح القومي والإشارة

خلال رحلة عالم النفس الإنجليزي مايكل أركيل حول العالم ، توصل إلى أنه خلال محادثة تستغرق ساعة فإن الفنلندي سوف يستخدم الإشارات مرة واحدة ، والإيطالي 80 مرة، والفرنسي 120 مرة ، والمكسيكي 180 مرة. وربما كان الروس متحفظين نسبيا في إظهار مشاعرهم ، معتقدين أن التلويح الشديد باليدين إنما هو علامة من علامات سوء التربية.

وبينما تحظر آداب السلوك الإشارة إلى شيء ومن باب أولى إلى شخص ، فإن الإسباني أو الأمريكي اللاتيني سوف يشير وهو يتحدث إلى كل ما يحيط به ، مستخدما يديه ورأسه وكل أنماط تعبيرات الوجه ، حتى ينقل ما يعنيه. ويصبح كلامه الصوتي وإشاراته كلا لا يتجزأ.

ولا يمكن للعلماء دائما أن يفسروا لماذا يتم تمثيل مفهوم معين بطرق متباينة بين الشعوب المختلفة. ولنأخذ على سبيل المثال شعور البهجة والإعجاب. فمن الحقائق المسلم بها الآن أن الروس واليابانيين يعيشون على مسافة قصيرة نسبيا من بعضهم البعض ، ولكن عندما يمرر الروسي يده عبر حلقومه فإنه يقصد أنه متخم بالطعام ، بينما إذا استخدم الياباني الإشارة نفسها فإنها تعني الفصل من الوظيفة. وفي التبت([7]) فإن عابر السبيل سوف يخرج لسانه لكل من يقابله وذلك ليظهر له أنه ليست لديه أية نوايا سيئة. وفي بلاد أخرى فإن مثل هذا التعبير قد يؤدي إلى المتاعب.

وللتعبير عن التحذير أو جذب الانتباه فإن الإيطالي أو الإسباني أو الأمريكي اللاتيني يخفض جفن عينه الأسفل مستخدما السبابة ، في حين أن إشارة مشابهة في النمسا تعبر عن الاحتقار. واليابانيون ، بخلاف الأوروبيين ، يصفقون عن طريق مد أيديهم إلى الأمام حتى تتلامس أصابعهم. أما في بريطانيا فإن التصفيق البطيء باليد في حفل موسيقى أو في المسرح يكون تعبيرا عن الاستياء الشديد ، ويكون بمثابة دعوة للمؤدي لكي يترك خشبة المسرح.

وفي الأرجنتين أو أوروجواي أو فنزويلا ، فإن هز اليد إلى أسفل يعني “حسنا ، حسنا!”. أما في بيرو فإن الإشارة نفسها تعني “آه ،ياله من خطأ ذلك الذي ارتكبته!” وفي شيلي تعني “هل تصدق هذا ؟”

ومن الواضح أن الإشارة تشكل جزءا لا يتجزأ من أجزاء الثقافة الإنسانية تمتد جذوره في الماضي السحيق. ومن الدلائل الإضافية على هذا ما تقدمه الكشوف الأثرية. ففي المكسيك مثلا تم اُكتشفت قطع فنية خزفية ورسوم زيتية توضح كيف أن هنود المايا([8]) كانوا يتفاهمون باستخدام إشارات مرئية في الألف سنة الأولى قبل الميلاد : فالسبابة الممتدة لليد اليمنى كانت تعني “أنت” ، واليد اليسرى وهي تشير إلى الأذن كانت تعني “انتباه”. وعند الجمع بين الاثنيـن فإن الإشارتين كانتا تعنيان على ما يبدو “استمع !”. وهناك اعتقاد بأن الكتابة المعقدة باستخدام الصور التي قام بها المكسيكيون القدماء كانت إلى حد بعيد لغة إشارات.

حسنا ، وهل مازالت الإشارة تقوم بوظيفتها الاتصالية في قرننا المُتَنَوِّر في وقت يجيد فيه كثير من الناس ثلاث أو أربع لغات ؟ بالتأكيد نعم. فآلاف من الناس في جميع أنحاء العالم يجتمعون سويا في المهرجانات الدولية ، والأوليمبيادات الرياضية والمؤتمرات العلمية. وفي كثير من الأحيان فإن لغة الإشارات تمكِّنهم من أن يقوموا باتصالاتهم الأولى وتجعلهم يفهمون ويثقون ببعضهم. فالإشارات أحيانا أكثر بلاغة من الكلمات !

The following two tabs change content below.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *