عاجل

1

 

كتب : د/ عادل عامر

أن خطة تعجيز السيسي كانت أشبه بحلقات السلسلة المتصلة، كل حلقة من المؤامرة تقود إلى أخرى جديدة، من أجل إنهاك الدولة ومؤسساتها في مواجهة هذه العمليات القذرة، التي يتم التخطيط لها، وإنفاق مئات الملايين من الدولارات لإنجاحها، موضحة أن أحد حلقات المؤامرة كانت في إفشال خريطة الطريق التي اتفقت عليها القوى الوطنية بعد ثورة 30 يونيو 2013، وكان آخرها الانتخابات البرلمانية، التي تم إكمالها على نحو أبهر العالم، وبات في مصر مجلس نواب قوى قادر على ممارسة سلطة التشريع والرقابة على أداء الحكومة.

كان من الطبيعي أن يتراجع الحديث عن النقابات وعن الدور الطليعي للقوى العُمّالية في المعارضة السياسية الثورية بعد الحرب العالمية الثانية، إذ كان استيعاب الرأسمالية للطبقة العمالية، والذي تنبأت به أصوات يسارية منذ مطلع القرن العشرين، قد بلغ ذروته. بل إن النقابات العمالية تحوّلت اجتماعيا من قوى ثورية إلى قوى إصلاحية تعمل على تدعيم النظام القائم عبر حماية توازنه الاجتماعي ونظامه الإنتاجي من الطمع أو الطموح الأعمى لأي من مكوناته.

أدت صيرورة التحديث الرأسمالي إلى تفصيلات جديدة في المجتمع على خلاف انقسامه الحدّي القديم بين البرجوازية والبروليتاريا. فنشأة دولة الرفاه بجهازها البيروقراطي القوي ونخبها السياسية التي تعمل بشكل شبه مستقل عن الإرادة الشعبية التي كان يفترض بالديمقراطية التمثيلية أن تجسدها من جهة، والتحام مصالح العمال وأصحاب رؤوس الأموال في نظام العمل الرأسمالي واستمراريته وانضباطه من جهة أخرى، أفرزا فئات اجتماعية جديدة، عابرة للطبقات، تشعر بالاغتراب إزاء تحالف قوى رأس المال والنخب السياسية، ونزوعهما المحافظ الذي تغذيه آلة إعلامية تتلاعب بعقول الجماهير مستَلَبة الإرادة.

يمتاز الأطباء أكثر من غيرهم من المهنيين بارتباطهم الدراسي الطويل والمتواصل بمطالعة أحدث التطورات العلمية عبر الانترنت، وربما بدراسة مقررات والاستماع إلى محاضرات غربية تصدرها  كبرى الجامعات بغية الحصول على شهادات علمية تساعد الطبيب على الحصول على فرصة سفر جيّدة خارج مصر. يضاعف هذا من الطموح التحديثي والشعور بالتخلف والغُبن المحلي وبمدى هزلية خطاب النظام ومبرراته، لدى الأطباء؛ مما يجعلهم في القلب من تلك القوة التحديثية الهائلة.

مما يدعم تلك الرؤية التي نجادل عنها أننا إذ نتناول حراك نقابة الأطباء، فإننا لا نجد أنفسنا حيال مؤسسة أهلية قبل-حديثة تحاول حماية بعض أعضائها، بل إننا أمام مؤسسة حديثة تتحرك في ضوء قيم الديمقراطية والحريات العامة والفردية وسيادة القانون، ومن ثم فإن محاولات تدجين ذلك الحراك عبر تسويات غير قانونية اعتادت عليها الأنظمة العربية مع البني الأهلية من قبيل العشيرة عبر رجال الدين ذوي السمعة الطيبة مثلا، لن يكون لها أثر يذكر في تلك الحالة.

مهما كان مصير انتفاضة الأطباء ومهما كانت صيرورة الربيع العربي، فإن طموح التحديث الذي ينبع هذه المرة من القاعدة الاجتماعية لا من السلطة كما بدأ قديما، سيستمر لتقويض الأنظمة السياسية التي تحاول العودة إلى حالة من الاستبداد الطبيعي. والخطورة الكبرى هي في تفكيك محرّكات تلك الحركة وقنوات صناعة ذلك الطموح كوسائل التواصل والتطلّع إلى تعليم أفضل على النسق الغربي، وهو ما يجب على النخب الثقافية مواجهته عبر فضح مدى تخلّف النظام السياسي القائم.

ويسعى الجيل الرابع من الحروب إلى هزيمة الإرادة المجتمعية وتقويض مؤسسات الدولة وتقسيمها من خلال وسائل تخريبية عديدة ومنها العمليات الإرهابية ولا يستخدم الجيوش والأسلحة النظامية بصورة كاملة أو مباشرة. أما الجيل الخامس فيسعى لتفكيك المجتمع ذاته ومؤسسات الدولة والمجتمع من خلال إشعال فتن ونزاعات وإحداث استقطاب مجتمعي حاد وحروب أهلية دينية وعرقية وثقافية. وتتوجه وتضرب هذه الحروب على أكثر من جبهة لتحقيق مجموعة مركبة من الأهداف التي تستهدف إنهاك وشل وتعجيز القدرة فى مجالات حيوية متعددة وفى نفس الوقت؛ بعضها سياسي واقتصادي ومؤسسي، وبعضها مادي وعسكري، وبعضها اجتماعي ومعنوي. وهى تستغل جوانب الضعف والفجوات الموجودة فى هذه المجالات. وتخوض مصر وتعانى منذ 25 يناير ومن قبله أيضا، من هذين النوعين من الحروب. كما تخوضه أيضا ومنذ بداية ثوراتها الجماهيرية فى 2011 ما كان يسمى بدول الربيع العربي. والسؤال هو كيف تتم المواجهة الإستراتيجية لهذه القوى المناوئة وهذا النوع من الحروب؟ يتوقف التعامل مع القوى المناوئة على طبيعتها ومصادر قوتها وأساليب عملها.

بالتالي على ما تشكله من مخاطر لأهداف ومسار الثورة. فالقوى الداخلية التي تعمل بأساليب سياسية سلمية صرفة ينبغي أن تواجه بنفس الأساليب، التي تتدرج من الإعلام والتوعية وتكثيفهما والاستيعاب والتحويل الفكري إلى الحشد والتعبئة الجماهيرية لمواجهتها وأخيرا إلى تفكيك تنظيماتها واستبعادها والتصدي لفكرها عندما تحاول الإجهاض السياسي للثورة (مثل محاولتها إعادة التغلغل والهيمنة على مؤسسات ومراكز صنع السياسات أو حمايتها لمنظومات الفساد أو إشاعتها أن ثورة 25 يناير ما هى إلا مؤامرة خارجية استهدفت نظاما مستقرا كان يعمل لصالح الوطن وإن كانت له أخطاء). أما الأعمال الموجهة لتفكيك الدولة والمجتمع التى تتضافر فيها القوى الخارجية المناوئة مع قوى التطرف الداخلية، فينبغي أن تواجه بإستراتيجية متعددة الأدوات تتناسب مع طبيعة وسائل وأسلحة الإرهاب والحروب الجديدة التي لا تستخدم فيها جيوش نظامية. ومن الخطأ تصور إمكانية نجاح المواجهة مع هذه الحروب بالاقتصار على الوسائل والجهود الأمنية.

لذلك أن خطة تعجيز الرئيس السيسي لم تخل من محاولات مستمرة لتنفيذ خطة لضرب الاقتصاد المصرى، تستهدف بالأساس “تركيع مصر” أمام المطامع الأجنبية، وقد تمثلت هذه الخطة فى ضرب السياحة فى توقيتات مهمة، وتحديدا قبل أعياد الميلاد ن فى المناطق السياحية الهامة مثل شرم الشيخ وجنوب سيناء، بالإضافة إلى المراهنات على قيمة العملة المصرية، والتأثير على تحويلات المصريين فى الخارج من العملات الصعبة، وتكوين سوق سوداء كبيرة للعملات الأجنبية فى دول الخليج لحرمان مصر من أحد أهم مصادر النقد الأجنبيى لديها وهو تحويلات المصريين فى الخارج، بهدف ضرب الاقتصاد وإضعاف قيمة الجنيه، وإشعال الأسعار وإثارة المواطنين وتعبئتهم ضد الدولة. لان تفاصيل مؤامرة تعجيز السيسي لم تتوقف عند حد ضرب الاقتصاد والعملة المصرية، بل تجاوزت إلى إثارة المطالب الفئوية وتأجيج الصراعات الداخلية فى النقابات والاتحادات وإثارة مشكلات بين قطاعات، لكل منهم مصالح متعارضة، كانت آخرها أزمة الأطباء وأمناء الشرطة، وحشد الأطباء ضد محاولات الاعتداء عليهم من قبل الأمن، والتصعيد ضد أجهزة الدولة بقرارات لا تصب فى النهاية لصالح المواطن البسيط، الذي لا يجد الخدمة الصحية اللائقة من مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى عجزه عن توفير نفقات العلاج بالمستشفيات الخاصة.

أن أجهزة الدولة تعى جيدًا ما يحاك من مؤامرات ومخططات، وقادرة على تحقيق خطة التنمية الطموحة، التى يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي وتعتمد فى جوهرها على القدرة الذاتية للمصريين وعزيمتهم فى قهر الصعاب وتحدى المستحيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.