عاجل

كالعادة تمكن الجانب المصري من التوصل الى اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين جرى بمقتضاه وقف العدوان، أما لماذا هذا الحماس، الذي قد يعتبره البعض مبالغاً فيه من جانب القاهرة تجاه تحقيق وقف لإطلاق النار على رغم سلوك بعض الفصائل الفلسطينية التي أعلنت، وبكل وضوح، مواقف عدائية ضد المصريين خصوصاً حركة “حماس” ذات العقيدة “الاخونجية” والولاء لذلك التنظيم الذي يشن على مدى سبع سنوات هجمات إرهابية استهدفت الشعب المصري وبنيته التحتية، إضافة الى خطاب إعلامي لا يتوقف ابداً عن الإساءة الى المصريين، فالأمر لا يتعارض مع ثقل مصر وقناعات شعبها بحقوق الشعب الفلسطيني وأدوار اضطلعت بها مصر سابقاً ترى ضرورة مواصلتها الآن ومستقبلاً. 

معروف أن العلاقة بين الإدارة المصرية وحركة “حماس” شهدت على مدى السنوات، التي أعقبت أحداث كانون الثاني (يناير) 2011 تدهوراً وصل إلى ذروته، عقب ثورة الشعب المصري على حكم “الإخوان” وإطاحة محمد مرسي عن المقعد الرئاسي، إلى درجة خضوع عدد من قادة ورموز “الإخوان”، بينهم مرسي نفسه، للمحاكمة بتهمة التخابر مع الحركة أمام القضاء المصري، أضيفت إلى قضايا أخرى تتعلق بالإرهاب اتهم فيها أعضاء في حركة “حسم”، التي تعد جناحاً عسكرياً لجماعة “الإخوان”، وكذلك تنظيم “داعش” في سيناء بالتدرب على أيدي عناصر من كتائب القسام، واستخدام الأنفاق ما بين الحدود المصرية مع القطاع في نقل الأسلحة والمتفجرات، ناهيك بالتحقيقات المصرية التي أثبتت مشاركة أعضاء من “حماس” في هجمات استهدفت السجون عام 2011، أفضت إلى فرار بعضهم وظهورهم في وسائل الإعلام من قطاع غزة وسط مظاهر احتفالية. 

ببساطة تستعيد مصر أدوارها التي فقدتها لفترة بفعل الفوضى والارتباك والمؤامرات. ووفقاً لتصريحات الرئيس الأميركي جو بايدن، فإن هناك “طبخة” سياسية يجري التحضير لها. لم يعد أمام “حماس” بُد من أن تكون طرفاً فيها بعد الخسائر الجمة التي مُنيت بها منذ انقلابها على السلطة عام 2006 وما جرى بعدها من أخطاء وخطايا. وعموماً من المبكر الحكم على مستقبل القضية الفلسطينية في ظل الانقسام الفلسطيني والاستقطاب الذي يسود الآن وحرص قيادات “حماس” على تدعيم خيوط الولاء مع تركيا وايران على رغم أن مصر هي التي كان لها الفضل الأول في وقف العدوان! لكن المهم البناء على ما جرى، وما سيجري لاحقاً، وأن تسعى كل الأطراف إلى نزع الألغام من طريق أمن الشعب الفلسطيني ومصالحه وتفادي وضع العراقيل ومنع الأطراف الراغبة في التخريب من أن تمارس تخريبها. 

ليس مهماً الالتفات كثيراً إلى الطريقة التي عالجت بها وسائل إعلام “الإخوان” والقنوات القطرية التي تبث من إسطنبول والدوحة مسألة الدور المصري في تحقيق وقف إطلاق النار، فالمؤكد أن الأمر لم يكن مريحاً قطرياً وتركياً و”إخوانياً”، فتلك الأطراف لا تتحدث ابداً عن أدوار إيجابية للمصريين ولا تفوت أي فرصة للصيد في المياه العكرة خصوصاً بعدما ظهر أن الأموال التي أنفقتها الدوحة على مدى سنوات والجهود التي بذلتها أنقرة منذ سقوط نظام “الإخوان” في مصر ونشاط عناصر الجماعة داخل مصر وخارجها على مدى السنوات الماضية، كلها ذهبت أدراج الرياح، إذ كان الهدف إسقاط أي حكم يأتي بعد حكم الجماعة، ومنع القاهرة من أن تعود إلى ثقلها وتأثيرها في تحقيق المصالح العربية عموماً والفلسطينية خصوصاً، فإذا بتلك الجهات تُصدم بسماع أغنية “تسلم الأيادي” عبر مكبرات الصوت في غزة، بينما غطت شوارعها ملصقات وصور للسيسي حلت محل أخرى كانت مثبتة في الأماكن نفسها، وعليها صور للأمير تميم والرئيس التركي أردوغان مع قادة “حماس”، مصحوبة بعبارات تبشر الفلسطينيين بأن أصحابها يستعدون لتحرير القدس! 

كان طبيعياً أن ينعكس هذا الغضب على الطريقة التي تعامل بها الإعلام “الإخونجي” مع الحدث الجديد، وأن يلجأ إلى معايرة الحكم في مصر بأنه يتعامل مع “حماس الإرهابية”، من دون أن يلوم الحركة وقادتها الذين عزفوا أغاني الثورة المصرية ضد “الإخوان”، واحتفوا بالزوار من أعضاء الوفد الأمني المصري الذين كانوا ينعتوهم بالإرهاب. الحملة ضد الجهود المصرية او التقليل من شأنها مفهوم، اذ إن نجاح تلك الجهود سيفقد “الإخوان” وقطر وتركيا ورقة مهمة ظلوا يلوحون بها ويستخدمونها لتحريض الشعوب العربية ضد الحكم في مصر، وإقناع عناصر “الإخوان”، ممن صدقوا يوماً أن مرسي سيعود إلى القصر يوم الأحد، أن “الإخوان” لن يعودوا ابداً الى واجهة الأحداث في مصر بسبب عداء مصر لـ”حماس” والفلسطينيين! 

نعم، تسعى مصر إلى نهاية لمشكلة الأنفاق وعلاج لصداع المعابر وإحكام السيطرة على سيناء، ومنع التسلل من قطاع غزة الى الأراضي المصرية، لكنها أيضاً وبدعم من باقي الدول العربية، ربما باستثناء قطر، تعود وبحماس إلى ممارسة ما تعتبره واجباً يحقق المصالح الفلسطينية والأمن القومي العربي، وهو دور ظلت تضطلع به على مدى عقود في التعاطي مع القضية الفلسطينية حتى لو كان ذلك الدور يقتضي منها التعامل مع حماس التي لم تتغير، أو هكذا يبدو حتى الآن

المصدر : النهار العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *