عاجل

images (1)

 

كتب : سلمان إسماعيل

مقاهي القاهرة بشكل عام تحتاج إلى وقفات، فهي عالم فريد يجمع بين السحر والغموض ،ومن هذه المقاهي مقهى ” متاتيا ” ،التي تعتبر كائن إنساني خاص جدا ، سجلت جدرانها وأدواتها ومرتادوها عالما متكاملا يسير من الماضي إلى الحاضر، وكان من الممكن أن تعرف معالم الناس والوطن والعصر الذي كانت فيه بمجرد جلوسك على أحد مقاعدها واسترجاع ما مر بمصر من أحداث وتقلبات ، وستظل المصري قهوة متاتيا والتي أنشئت عام 1875م عالقة بأذهان كل من قرأ التاريخ ، وكانت تطل على ميدان العتبة لكنها لم تكن مجرد مقهى ، فقد كانت متاتيا الجامعة التي أسهمت في الكثير من التحولات السياسية والثقافية والاجتماعية التي حدثت بمصر في القرن ال 19 وأوائل القرن ال 20.

على مقاعدها جلس جمال الدين الأفغاني أستاذا بيده يوزع الأمل وباليد الأخرى ينشر الثورة ، وأمامه من الطلاب الإمام المجدد محمد عبده والزعيم الشعبي سعد زغلول وشاعر النيل حافظ إبراهيم ، وقليلون هم من يعرفون ذلك المقهى الذي لا يتردد اسمه إلا في الندوات الثقافية التي لا يحضرها الكثيرون ، فقد كان ذلك المقهى ملتقى للأدباء والمفكرين في التاريخ الحديث ومنهم عباس العقاد وصديقه المازني .

ويبقى الأفغاني الذي ألقى أول خطاب سياسي له من هذا المقهى كما أسس من خلاله أول حزب سياسي في التاريخ الحديث من أبرز من جلسوا على مقهى متاتيا ،حتى أن ذكرها ارتبط باسم الأفغاني، ولا يمكن إغفال أن أحمد عرابي باشا قائد الثورة العرابية وقائد الجيش الذي قاوم الإنجليز بكل بسالة قبل أن ينجحوا في هزيمته ويحتلوا مصر أواخر القرن ال 19 والذى كان من أشهر من جلسوا على مقهى متاتيا.

وفي ذلك الوقت كانت البعثات التي أرسلها محمد علي باشا إلي أوربا قد عادت إلي مصر ونشرت فيها الثقافة فزاد عدد الجرائد المصرية والمثقفين والمتعلمين ، كما كانت مصر في تلك الفترة من حكم الخديوي إسماعيل تسير بخطى واسعة نحو النهضة والتقدم ، فأصبحت مصر في تلك الفترة قبلة المثقفين والمجددين من كل الدول الإسلامية والعربية ، وكان المفكر والرائد جمال الدين الأفغاني ، الذي سبقت الإشارة إليه قد استقر به المقام في مصر وكانت له ندوة أسبوعية علي مقهى متاتيا حضرها رموز المجتمع في تلك الفترة ، وكان الأفغاني شخصية ساخرة ، كما كان فيلسوفا للثورة ، وعلى هذا المقهى بدأت إرهاصات الثورة العرابية , فقد كان أحمد عرابي وعبد الله النديم والشيخ محمد عبده من تلاميذ الأفغاني, بالإضافة إلى سعد باشا زغلول والذي شارك أيضا في الثورة العرابية في بداية حياته وفصل من عمله كصحفي بجريدة الوقائع المصرية بسببها، ولما كانت شعارات الأفغاني الثورية تقلق السلطة فقد تم نفيه من مصر وبهذا انجلت صفحة من تاريخ مقهى متاتيا العريق .

وعلى مقاعد ذلك المقهى أيضا كانت نهاية الرائد عبد الرحمن الكواكبي الذي ألف كتابا يتناول فيه أشكال الحكم الشمولي الدكتاتوري والذي حمل اسم ” طبائع الاستبداد ” فقد مات مسموما وحمله أصدقائه إلي بيته فمات به ولم يكشف حتى الآن عن ملابسات إغتياله.

يقول الدكتور عماد أبوغازى وززير الثقافة الأسبق : بمناسبة احتفالات افتتاح قناة السويس عام 1969م ، كلف الخديوي إسماعيل مهندس إيطالي اشتهر بنزعة فنية في تصميماته، اسمه متاتيا، والذي أصبح واحدا من أشهر الأسماء في الحياة الثقافية والاجتماعية في تاريخ مصر، فقد قام ذلك المهندس بتحديث منطقة وسط المدينة ‏، وخطط حديقة الأزبكية وصمم دار الأوبرا في مكانها التاريخي الشهير قبل أن تحترق وتهدم مع عمارة متاتيا ليقام مكانهما جراج الأوبرا المتعدد الطوابق حاليا.

وأضاف أن المصادر اختلفت حول العام الذي بنيت فيه عمارة ” متاتيا ” الشهيرة التي حملت اسم المهندس الإيطالي فبين أعوام (1870و1875و1877) أنشأ المهندس الايطالي المكلف من الخديوي عمارة شامخة في قلب من ميدان العتبة كما انشأ بها مقهى حمل اسمه ، وحتى ذلك الوقت كانت العمائر في القاهرة قليلة بحيث لا تزيد عن 5 أو 6 عمارات وكانت عمارة متاتيا المبهرة أشهرها على الإطلاق‏.

وأشار إلي أن المقهى شهد توقيع وإلغاء معاهدة 1936م ، وهدم مبنى المحاكم المختلطة المجاور للمقهى في نفس العام، والتي كانت وصمة عار في جبين مصر منذ إنشائها بعد الاحتلال الإنجليزي لمصر.

وكانت ثورة يوليو 1952م ، وتغيير النظام من الملكية إلي الجمهورية آخر ما شهده المقهى قبل أن يتحول إلي محلات تجارية عام 1960م ، ونظرا لإهمال المؤسسات الثقافية بالدولة لمثل هذه الأماكن التراثية لم يفكر أحد في ترميم وصيانة تلك العمارة التي لم تصمد أمام زلزال عام 1992م فتصدعت ، حتى جاء القرار النهائي من محافظ القاهرة عام 1999م بهدمها وبناء جراج متعدد الطوابق مكانها .

وكانت هذه قصة ” متاتيا ” أشهر مقاهي مصر والتي كانت شاهدة على تاريخها كما كانت ضحية إهمال التراث الثقافي والجمالي لصالح مزيد من العشوائية والقبح ، ويكفى قول أحدهم : ” إن الكرسي الذي اعتاد الأفغاني الجلوس عليه كان يصلح ليكون متحفا قائما بذاته “

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.